الدرونات تضرب… وكوردستان تبني … مهند محمود شوقي

منبر العراق الحر :

ليست المشكلة في أن تُستهدف كوردستان.
هذه، في الشرق الأوسط، تكاد تكون قاعدة لا استثناء.
المشكلة الحقيقية هي: ماذا يحدث بعد الضربة؟
في أماكن كثيرة، تعني الضربة فوضى. ارتباكًا. تراجعًا.
لكن في إقليم كوردستان، ثمة نمط مختلف يتكرر: الضربة تقع… والمشروع يستمر.
هذا ليس تفصيلًا عابرًا.
خلال سنوات، تشكّل في الإقليم ما يشبه “عقل الدولة”؛ إدارة تعرف أن الاستقرار لا يُعلَن، بل يُبنى.
طرق تُعبد. مؤسسات تُنظَّم. موارد تُدار.
ليس الكمال، بطبيعة الحال. لكن الاتجاه واضح.
خذ ملف المياه.
هنا، السدود ليست مجرد خرسانة.
من سد دوكان إلى سد دربنديخان… ثم عشرات السدود خلال سنوات قليلة.
هذه ليست مشاريع. هذه سياسة.
سياسة تقول إن الأمن لا يبدأ من البندقية فقط، بل من القدرة على حماية المورد، وضمان الاستمرار، وتحييد الجفاف قبل أن يتحول إلى أزمة.
وفي الطرق، الحكاية لا تختلف كثيرًا.
الربط بين المدن لم يكن مجرد تحسين للنقل، بل إعادة رسم للاقتصاد.
حين تُختصر المسافات، تتقلص معها الأزمات، وتُفتح مسارات جديدة للحركة والتجارة.
ثم تأتي التفاصيل التي لا تُرى سريعًا:
الإدارة الإلكترونية. تنظيم الرواتب. محاولة ضبط الإيقاع المالي.
وأيضًا، الشفافية.
فمن خلال دائرة الإعلام والمعلومات، حاولت الحكومة تقديم نموذج مختلف في عرض البيانات وتوضيح القرارات، ليس بوصفه ترفًا إعلاميًا، بل كجزء من بناء الثقة بين السلطة والمجتمع.
وفي الخدمات، يظهر مثال آخر على هذا النهج.
مشروع روناكي لم يكن مجرد مشروع كهرباء، بل محاولة لإنهاء واحدة من أكثر الأزمات إزعاجًا للمواطن: انقطاع التيار.
الكهرباء على مدار 24 ساعة لم تعد وعدًا، بل واقعًا يتشكل تدريجيًا.
ومع ذلك، الصورة ليست مثالية.
أزمات مالية تضغط. خلافات مع بغداد لا تهدأ. بيئة إقليمية مضطربة.
وفوق ذلك كله، طائرات مسيّرة تعود بين وقت وآخر لتذكّر بأن الاستقرار هنا ليس محصّنًا بالكامل.
لكن قبل كل ذلك، يطرح سؤال أعمق نفسه:
ما الجدوى من استهداف كوردستان أصلًا؟
التجربة تقول إن الاستهداف ليس جديدًا.
من حملة الأنفال إلى مجزرة حلبجة، كان الهدف كسر الإرادة قبل أي شيء آخر.
وحين تغيّرت الأدوات، لم يتغير المنطق كثيرًا.
بعد عام 2014، لم تعد المواجهة عسكرية فقط، بل اقتصادية أيضًا.
قُطعت الموازنة، وتحوّل الضغط إلى معيشة الناس، إلى رواتب الموظفين، إلى تفاصيل الحياة اليومية.
كانت محاولة مختلفة… لكنها تسير في الاتجاه ذاته: إنهاك الداخل.
واليوم، تعود المسيّرات.
وسيلة جديدة… وسؤال قديم.
هل المطلوب إضعاف الإقليم؟
أم تعطيل نموذجه؟
أم إرسال رسائل تتجاوز حدوده؟
ربما كل ذلك معًا.
في هذا المشهد، لا تُقاس القيادة بما يُقال، بل بما يصمد.
مسرور بارزاني يتحرك ضمن معادلة معقدة: أمنٌ يجب أن يُحفظ، واقتصادٌ يجب أن يستمر، وتوازنٌ سياسي لا يحتمل الانكسار.
ليست معادلة مثالية. لكنها واقعية.
والسؤال الأهم يبقى بسيطًا:
هل يتوقف البناء؟
حتى الآن، لا.
ولهذا، فإن قراءة ما يجري في كوردستان من زاوية “الاستهداف” وحدها، قراءة ناقصة.
الأدق أن نقول: هناك من يحاول التعطيل…
وهناك، في المقابل، من يواصل البناء.
في الشرق الأوسط، كثير من المشاريع تُهزم من أول اختبار.
أما هنا، فالقصة مختلفة قليلًا.
تُضرَب… لكنها لا تتوقف.

اترك رد