العراقُ تاجُ الأمم….د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :
ليس غير العراقُ تاجا على رؤوسنا وهو ليس رقعةً على خارطةٍ تُقاس بالمساحة ولا اسمًا يُردَّد في نشرات الأخبار ثم يُنسى بل هو معنىً يتجاوز الجغرافيا وهويةٌ تتجذّر في الوجدان وذاكرةٌ حيّة لا تقبل المحو. العراق ليس خيارًا بين خيارات ولا مقارنةً تُعقد بين بلدان بل هو الأصل الذي تُقاس به المعاني وهو التاج الذي لا يُوضع إلا على الرؤوس التي تعرف قدره.
العراق… ذلك الاسم الذي كلما نُطق اهتزّت معه قرونٌ من الحضارة من سومر إلى بابل إلى آشور من أول حرفٍ خُطّ على الطين إلى أول قانونٍ كُتب ليُنظّم حياة البشر.
هنا في هذه الأرض لم تُولد المدن فحسب بل وُلدت الفكرة ذاتها: فكرة أن الإنسان يمكن أن يبني أن يُدوّن أن يترك أثرًا يُهزم به النسيان.
كيف يُقارن العراق بغيره وهو الذي علّم البشرية أن تكتب وأن تفكر وأن تُقيم الدولة على أساس القانون…؟
كيف يُقارن العراق وهو الذي مرّت عليه الإمبراطوريات لا لتصنعه بل لتختبر نفسها فيه…؟
العراق ليس تابعًا للتاريخ بل هو أحد صُنّاعه الكبار.
لكن العراق ليس مجرد ماضٍ عظيم يُستدعى للتفاخر بل هو حاضرٌ مُثقَلٌ بالتضحيات مُحمَّلٌ بجراحٍ لم تُطفئ فيه الحياة.
كم مرةٍ حاولت الحروب أن تُسقطه…؟
كم مرةٍ ظنّ الغزاة أن هذه الأرض ستنحني…؟
لكنه في كل مرة كان ينهض لا لأن الألم قليل بل لأن الجذور أعمق من أن تُقتلع.
العراق ليس مثاليًا ولا خاليًا من التحديات لكنه صادقٌ في معاناته ونبيلٌ في صبره وعنيدٌ في بقائه.
هو بلدٌ يعرف معنى الانكسار لكنه يرفض أن يكون نهايةً له.
هو بلدٌ يُخطئ ويصيب لكنه لا يفقد ذاته ولا يبيع روحه مهما اشتدّت العواصف.
وحين نقول إن العراق تاجٌ على الرؤوس فنحن لا نقولها بدافع التعصب الأعمى بل بدافع الإدراك العميق لما يمثّله هذا البلد.
التاج لا يُمنح لمن هو كامل بل لمن هو أصيل والعراق أصيلٌ حتى في ألمه عظيمٌ حتى في جراحه ثابتٌ حتى وهو يُجرَّب بأقسى الظروف.
ليس معنى أن نحب العراق أن نُنكر غيره بل أن نعرف موقعه الحقيقي في قلوبنا.
فهناك أوطانٌ تُحب وهناك أوطانٌ تُحترم لكن العراق يُحمل في الدم يُورث كما تُورث الأسماء ويُحفظ كما تُحفظ الكرامة.
العراق ليس مجرد مكانٍ نعيش فيه بل هو كيانٌ يعيش فينا وهو ليس أرضًا نخطو عليها بل هو معنىً يخطو فينا في لغتنا في ذاكرتنا في حكايات أمهاتنا وفي ملامح وجوهنا.
من أراد أن يفهم العراق فليقرأ تاريخه ومن أراد أن يشعر به فليستمع إلى وجع أهله وصبرهم.
العراق تاجٌ على الرؤوس… ليس لأننا نقول ذلك، بل لأن التاريخ قاله قبلنا، والحضارة شهدت له والدماء التي سُفكت على أرضه كتبت ذلك بصدقٍ لا يُكذّب.
هو ليس مجرد وطن بل قدرٌ ومن كان العراق قدره لا يبحث عن بديل.
في زمنٍ تُباع فيه الأوطان بالكلمات يبقى العراق عصيًّا على البيع صعبًا على الاختزال أكبر من أن يُختصر في أزمة وأعمق من أن يُختزل في خبر.
العراق فكرةٌ مستمرة ونبضٌ لا يتوقف ورايةٌ حتى لو انحنت يومًا فإنها لا تسقط.
فليُرفع العراق حيث يجب أن يكون: في القلوب أولًا وفي العقول ثانيًا وفي الأفعال قبل الأقوال وليُفهم جيدًا أن من لا يرى العراق تاجًا لم يُدرك بعد معنى التاج ولا قيمة الرؤوس التي تُزيَّن به.
العراق… سيبقى مهما تغيّرت الأزمنة تاجًا على الرؤوس لا يُستبدل ولا يُقارن ولا يُنزع…
د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد