التحليل الواقعي والمحايد لملف الحرب الأميركية الإيرانية….الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

التقرير الاستراتيجي الرابع:مصداقية تقرير مجلة ذا أتلانتيك

🌍 مجلة ذا أتلانتيك الأمريكية:

◾️لم يُحقق ترامب وعوده بشأن إيران وانتهى به الأمر إلى خداع نفسه فقط.

◾️أشعل ترامب هذه الحرب لأسباب شخصية لا لاستراتيجية واضحة والآن هو في طريقه للخسارة للأسباب الشخصية نفسها.

◾️ترامب متغطرس ويُطلق باستمرار على أسلافه لقب “الحمقى” ويُشيد بنفسه بوصفه “ذكيًا” لكن هؤلاء الأسلاف أنفسهم من “جيمي كارتر” و “رونالد ريغان” إلى “جو بايدن” كانوا أذكياء بما يكفي لعدم شن حرب واسعة النطاق ضد إيران.

◾️طالب ترامب إيران بـ”استسلام غير مشروط” لكنه بدلاً من ذلك يتفاوض بنفسه على اتفاق يُرضي إيران أكثر من الولايات المتحدة.

⏺️ المشهد الحالي:

 بدأ المشهد الإعلامي المحيط بالصراع الأميركي الإيراني الراهن بالتحول إلى مواجهة موازية لا تقل ضراوة عن الصدام العسكري، وهي “معركة فرض الرواية”. وفي هذا السياق، حظي التقرير الصادر عن مجلة ذا أتلانتيك الأمريكية بمصداقية نقل عالية جداً من حيث دقة رصد كواليس واشنطن والوساطة الباكستانية الجارية لفتح مضيق هرمز. إلا أن الأمانة التحليلية تقتضي تفكيك هذا الطرح؛ فالمجلة تعبر عن مقالات رأي ونقد سياسي حاد من منصة ليبرالية معارضة تقليدياً لنهج دونالد ترامب. لذا، فإن القراءة الإستراتيجية المجردة تتطلب النأي بالنفس عن البروباغندا الإعلامية لكلا الطرفين – فلا ترامب حقق “نصراً حاسماً” كما يروج مؤيدوه، ولا هو تعرض “لاستسلام كامل” كما تدعي المنصات المعارضة – بل نحن أمام واقع ميداني وسياسي شديد التعقيد.

بناءً على معطيات أجهزة الاستخبارات، التقارير العسكرية الميدانية، ومراكز الأبحاث المستقلة، تقف الأزمة الحالية عند مشهد معقد ومفتوح على الاحتمالات.

لتقديم قراءة دقيقة ومجردة مبنية على الوقائع الحالية، يجب تفكيك المشهد إلى ثلاثة أبعاد رئيسية:

1️⃣ الواقع العسكري والميداني (توازن الردع المتبادل)

◾️المكاسب الأميركية والإسرائيلية: نجحت الضربات واسعة النطاق التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في تقويض أجزاء ضخمة من القدرات الدفاعية والتقليدية الإيرانية. وفقاً لتقارير عسكرية، تم تحييد مساحات واسعة من سلاح البحرية، الدفاع الجوي، وأنظمة الرادار الإيرانية، إلى جانب تنفيذ عمليات اغتيال سياسية بالغة الأثر.

◾️أوراق القوة الإيرانية: رداً على ذلك، أثبتت إيران قدرة عالية على “امتصاص الضربات والقدرة على الصمود”. من خلال استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، ألحقت طهران أضراراً بمنشآت طاقة حيوية وقواعد عسكرية في المنطقة (مثل منشآت حقل شمال بارس ورأس لَفّان)، والأهم من ذلك نجاحها في تعطيل حركة الملاحة بمضيق هرمز، مما فجّر أزمة طاقة عالمية.

◾️الخلاصة الميدانية: واشنطن تمتلك التفوق العسكري الساحق، لكن طهران تمتلك قدرة إشعال المنطقة اقتصادياً، مما خلق حالة من التعادل الإستراتيجي حركت الملف نحو طاولة المفاوضات.

2️⃣ معركة الحصار الاقتصادي والمفاوضات الحالية

◾️تأثير الحصار: الحصار البحري الأميركي الخانق المفروض على إيران يضغط بقوة على بنيتها الاقتصادية المتهالكة. تقارير مجتمعات الاستخبارات الأميركية تشير إلى تآكل سريع في الإيرادات الإيرانية، إلا أن التقديرات تؤكد أن طهران ما زال بإمكانها الصمود تحت هذا الحصار لعدة أشهر إضافية بالاعتماد على مخزونها الحالي.

◾️تراجع السقف الأميركي المحايد: تراجعت إدارة ترامب عملياً عن شروطها التعجيزية الأولى (مثل الاستسلام غير المشروط وتفكيك البرنامج بالكامل)، وتتفاوض حالياً عبر الوساطة الباكستانية على اتفاق مرحلي يركز على “تهدئة مستدامة وإعادة فتح مضيق هرمز” مقابل تخفيف جزئي للحصار. هذا التراجع في السقف يُعزى إلى رغبة ترامب في تجنب حرب استنزاف طويلة ومكلفة تضر بفرصه السياسية محلياً.

◾️الجمود الإيراني المفاجئ: على الرغم من إشارة ترامب إلى قرب صياغة مذكرة تفاهم، أعلنت منصات تابعة لإيران (مثل وكالة تسنيم) وقف تبادل الرسائل عبر الوسطاء رداً على خروقات وقف إطلاق النار والعمليات العسكرية في لبنان، مهددة بإغلاق المضيق بالكامل، مما يوضح أن طهران لا تفاوض من موقف انهيار بل تحاول استخدام أوراقها الإقليمية للضغط.

3️⃣ تقييم مقارن بين ادعاءات الطرفين والواقع

الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الفعلي وتشمل المحاور الثلاثة:

  1. محور البرنامج النووي:

◾️رواية إعلام ترامب ومؤيديه: تروج هذه الرواية بأن الهجمات العسكرية نجحت في شل القدرات النووية الإيرانية بالكامل وتمكنت من ردع طموحات طهران الذرية بضرب المنشآت الحيوية.

◾️رواية معارضي ترامب (مثل ذا أتلانتيك): ترى أن ترامب فشل عسكرياً في هذا الملف، لأن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب لم يُمس ومحمي بشكل جعبوي داخل منشآت شديدة التحصين في أعماق الجبال.

◾️القراءة الواقعية المحايدة: توضح أن الضربات الجوية دمرت بالفعل منشآت ومختبرات سطحية، لكن البنية التحتية والمخزون النووي الأساسي في المنشآت المحصنة تحت الأرض لا يزال قائماً، ويمثل حالياً أثمن ورقة تفاوضية تمتلكها طهران.

2. محور الهدف من الحرب:

◾️رواية إعلام ترامب ومؤيديه: تؤكد أن الحرب كانت ضرورة استراتيجية لحماية الأمن القومي الأميركي وتثبيت معادلة “السلام من خلال القوة” لإنهاء التهديدات الإيرانية في المنطقة.

◾️رواية معارضي ترامب (مثل ذا أتلانتيك): تزعم أن الحرب اشتعلت نتيجة دوافع شخصية غوغائية اتسمت بالغطرسة، وتفتقر من البداية إلى استراتيجية خروج واضحة ومدروسة.

◾️القراءة الواقعية المحايدة: تكشف أن الأزمة بدأت كمحاولة أميركية لفرض “الضغط الأقصى” الاقتصادي والعسكري لانتزاع اتفاق تاريخي جديد، لكنها تطورت لاحقاً إلى صدام عسكري مباشر ومكلف نتيجة سوء تقدير متبادل للخطوط الحمراء بين الطرفين.

3. محور مسار المفاوضات الحالية:

◾️رواية إعلام ترامب ومؤيديه: تدعي أن العقوبات والحصار جعلا إيران تركع، وأنها ستوقع قريباً على اتفاق ممتاز يخضع تماماً للشروط الأميركية الصارمة.

◾️رواية معارضي ترامب (مثل ذا أتلانتيك): ترى أن ترامب يخدع نفسه ويقترب من توقيع اتفاق ضعيف يرضي طهران ويمنحها تنازلات واسعة، فقط لإنقاذ موقفه السياسي الشخصي.

◾️القراءة الواقعية المحايدة: تؤكد أن المفاوضات شاقة للغاية ومعقدة وتتمحور حالياً حول تمديد وقف إطلاق النار لـ 60 يوماً؛ فالطرفان يدركان الكلفة الاقتصادية الكارثية للتصعيد الشامل، ويبحثان معاً عن مخرج سياسي يحفظ ماء وجه الجميع.

⏺️ الرأي والتحليل الإستراتيجي المستقل

إذا نظرنا إلى المشهد بعين إستراتيجية مجردة، فإن الحرب الحالية أثبتت صحة فرضية إستراتيجية قديمة؛ وهي أن إسقاط أو إخضاع النظام الإيراني عسكرياً ليس بالبساطة التي تصورتها إدارة ترامب، كما أن قدرة طهران على تهديد الشرايين الاقتصادية للعالم (كمضيق هرمز) حقيقية ومؤثرة.

المشهد الحالي ليس انتصاراً ساحقاً لأي طرف؛ ترامب نجح في تقليص أظافر إيران العسكرية التقليدية واغتيال قياداتها، لكنه اضطر في النهاية للجلوس والتفاوض مع نفس النظام دون تحقيق تغيير جوهري في البنية النووية. وفي المقابل، نجحت إيران في إثبات قدرتها على الإيذاء، لكنها تدفع ثمناً باهظاً قد يهدد استقرارها الداخلي على المدى الطويل بسبب الانهيار الاقتصادي. الاتفاق المرتقب -إن حدث- سيكون تسوّية اضطرارية مدفوعة بإنهاك الطرفين، وليس صك استسلام لأحدهما.

 

اترك رد