قراءة في الصراع على تشكيل الشرق الأوسط من نجح في كتابة قواعد نهايتها؟ ..د.ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :….قراءة استراتيجية في الصراع على تشكيل الشرق الأوسط القادم….

في الشرق الأوسط، لا يعيش الإنسان الحرب بوصفها عنوانًا في نشرات الأخبار، بل يعيشها تفاصيل يومه. يستيقظ على أخبار الضربات الجوية، ويتابع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويراقب رسائل الحرس الثوري الإيراني، ويقرأ كل مساء تحليلات تتحدث عن هدنة أو تصعيد جديد. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الذي يرافق ملايين البشر في هذه المنطقة: متى تنتهي هذه الحرب؟

غير أن هذا السؤال، على بساطته وإنسانيته، ليس هو السؤال الذي يشغل المشاريع الكبرى.

فبينما ينتظر الإنسان نهاية القتال، تنشغل مراكز القرار بصياغة سؤال آخر أكثر عمقًا وتأثيرًا:

كيف ستنتهي الحرب؟

وهنا تبدأ المفارقة الكبرى.

فالحروب الكبرى لا تُخاض فقط بالسلاح، وإنما تُخاض أيضًا حول من يكتب قواعد اليوم التالي، لأن كتابة قواعد نهايتها هي في جوهرها كتابة لقواعد النظام الذي سيولد بعدها.

إن ما يجري اليوم لا يقتصر على صراع عسكري أو سياسي، بل يعكس تنافسًا بين مشروعين متقابلين لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.

المشروع الأول يقوم على تصور لشرق أوسط جديد، يعيد هندسة التوازنات الإقليمية، والممرات الاقتصادية، والتحالفات الأمنية، بما ينسجم – وفق هذه القراءة التحليلية – مع فرضية القرن الأميركي الثاني، حيث تصبح الجغرافيا الاقتصادية، والطاقة، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، أدوات رئيسة في بناء النظام الإقليمي القادم.

أما المشروع الثاني فيرتكز على رؤية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تنطلق من فلسفة دولة ولاية الفقيه، وتسعى إلى المحافظة على فضاء نفوذ إقليمي يستند إلى مرتكزاتها العقائدية والسياسية والأمنية، كما تعبر عنها نظرية أم القرى بوصفها أحد الأطر الفكرية التي تناولها عدد من الباحثين عند تفسير الرؤية الاستراتيجية الإيرانية.

وبين هذين المشروعين، لا يدور الصراع فقط على كسب الحرب، وإنما على صياغة شروط الخروج منها، لأن الطرف الذي ينجح في كتابة قواعد النهاية سيكون الأقدر على التأثير في شكل الشرق الأوسط الذي سيولد بعدها.

وإذا كان لكل مشروع أدواته ورؤيته ومجاله الحيوي، فإن الحقيقة التي يعيشها إنسان الشرق الأوسط تختلف عن الخطابات السياسية المتبادلة. فهو لا يرى مجرد تنافس بين دول، بل يشعر بأن الإقليم كله يقف أمام لحظة إعادة تعريف لهويته الجيوسياسية. ولم يعد السؤال يدور حول مدينة تُسيطر عليها قوة، أو مضيق تؤمَّن فيه الملاحة، أو هدنة تُعلن لأيام، بل حول أي تصور للمنطقة سيكون هو الإطار الحاكم لعقود قادمة.

ولهذا تبدو الصواريخ، والعقوبات، والردع، والتحالفات، والممرات الاقتصادية، والمفاوضات السرية والعلنية، أدوات تتحرك داخل مشروعين أكبر من الحدث نفسه. فقراءة الوقائع بمعزل عن هذه البنية الفكرية قد تفسر المعركة، لكنها لا تفسر اتجاه التاريخ.

ومن هنا، لا يعود السؤال الاستراتيجي:

من سينتصر في هذه الحرب؟

بل يصبح:

أي المشروعين سيكون أكثر قدرة على فرض قواعد النظام الذي سيليها؟

فالحروب، مهما امتدت، ليست غاية في ذاتها، وإنما مرحلة انتقالية تسبق إعادة توزيع موازين القوة، وإعادة تعريف الأدوار، وإعادة كتابة قواعد العلاقات بين دول المنطقة.

ولعل ما نراه اليوم من تصريحات متبادلة، ورسائل ردع، ومفاوضات غير مباشرة، وهدن مؤقتة، لا يمثل النهاية بقدر ما يمثل سباقًا محمومًا لتحسين الموقع عند لحظة كتابة قواعد النهاية.

ومن هنا، فإن ما يسمى بـ “اليوم التالي” لا يبدأ بعد توقف إطلاق النار، بل يبدأ منذ اللحظة التي تنخرط فيها الأطراف في محاولة فرض تصوراتها لشكل الشرق الأوسط القادم.

فالإنسان في الشرق الأوسط ينتظر نهاية الحرب…

أما المشاريع الكبرى فتعمل على كتابة قواعد تلك النهاية.

وهنا تكمن المفارقة التي قد لا ينتبه إليها كثيرون.

فالكاتب الذي يكتفي بوصف الحدث يكتب لليوم، أما من يحاول فهم المشروع الذي يحرك الحدث، فإنه يكتب للمستقبل.

ولذلك، فإن متابعة الميدان، على أهميتها، لا تكفي وحدها لفهم ما يجري. فالمعركة قد تفسر حركة الجيوش، لكن المشروع وحده يفسر اتجاه التاريخ.

وفي نهاية المطاف، قد تتغير الإدارات في واشنطن، وتتبدل القيادات في طهران، وتتغير التحالفات، وربما تنتهي هذه الحرب كما انتهت حروب كثيرة قبلها، لكن السؤال الذي سيبقى حاضرًا أمام المؤرخين والباحثين ليس: من ربح الجولة الأخيرة؟

بل:

من نجح في كتابة قواعد نهايتها؟

لأن التاريخ لا يخلّد ضجيج المعارك، بل يخلّد الأفكار التي أعادت رسم خرائط الأمم.

ولعل الإنسان، كلما تقدم به العمر، أدرك أن أعظم ما يتركه ليس عدد ما كتب، بل الفكرة التي تجعل الآخرين يرون العالم بطريقة أعمق.

 

 

اترك رد