(الأرض أعلاه ) لعبد الحميد الصائح ….هادي الحسيني

منبر العراق الحر :

حين يمّر ذَكر شعراء جيل الثمانينات العراقي في أي مناسبة أو ندوة ثقافية يقفز اسم الشاعر عبد الحميد الصائح الى الواجهة ، الصائح أحد أركان هذا الجيل ومن الذين أتخذوا الكتابة الحديثة في القصيدة فهو احد كُتاب قصيدة النثر في جيل الثمانينيات ، جيل الحرب والموت والدمار كما يطلق عليه بعض النقاد ، الجيل الذي نحت بعض شعرائه أسمائهم في الحجر ليتصدروا المشهد الثقافي آنذاك ، كانت قائمة اسماء ذلك الجيل تجاوزت المئات من الشعراء لتبقي على بعض الاسماء التي أخلصت للشعر والذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة ومنهم شاعر (الأرض أعلاه) عبد الحميد الصائح الذي ظل مواظباً على الكتابة والإخلاص للشعر بالرغم من عمله في الإعلام الذي يبعد الشاعر عن منطقة إشتغاله الإبداعية ، لكن أغلب الشعراء في العالم عملوا في الإعلام كمحررين في صحف ومجلات وفضائيات .
الشاعر عبد الحميد الصائح صوت شعري منفرد داخل خارطة الشعر العراقي ، له لغته التي تميزه عن أقرانه وله قصيدته التي تفوح منها رائحة الحب والحرب والحنين كما سوف نلاحظه في مجموعته التي نحن بصددها الآن في هذه القراءة .
لقد إحتوت مجموعة ( الأرض أعلاه ) للشاعر الصائح على عشرين نصاً وواحد تنتمي الى جنس قصيدة النثر التي أبدع فيها العراقيون كما أبدعوا في القصيدة العمودية على مّر التاريخ وأبتكروا قصيدة التفعيلة ، ويعتبر جيل الثمانينات الشعري الأول ما بين أجيال الشعر العراقي التي سبقته في كسر حاجز الصمت ونشر نصوصهم في الصفحات الثقافية للصحف والمجلات ، جيل أسس لقصيدة حديثة بحجة الحرب التي ولدوا من رحمها ليتمكنوا من فك طوق الحصار على قصيدة النثر في النشر وقد نجحوا في ذلك بعد رحلة مريرة وصعبة مع المؤوسسة الثقافية في تلك الفترة الصعبة .
يقول الشاعر عبد الحميد الصائح في مقدمته للمجموعة وهي مفارقة جميلة ولأول مرة أقرأ تقديم شاعر لمجموعته ، لكنه تقديم مؤلم يلامس شغاف القلب وهو يستذكر فيه أحبة واصدقاء رحلوا فيقول في السطور الأولى للمقدمة : ( هذا الكتاب مجموعة من نصوص ، قطفت على مدى عشرين عاماً ، ما بين نشرها الأول وهذا وما أضيف إليها ، رحلة شائكة ، وحياة متعثرة ، وعراكٌ مباشر بين الوطن والمنفى . قيامات وموت حر ، وأرواح أطفئت قبل مواعيدها ، دماء تبدلت ، وانياب طالت ، مباراة نهائية بين الحلم والوهم ، وشياطين تخطط لنا الخرائط . رحيل أحبة أستحضر بعضهم مع قراءة جديدة لمحتوى هذا الكتاب بما يشبه الوصية الشخصية ) .
وبعد مقدمة الشاعر لمجموعته يستشهد بكلمة لأوفيديوس الشاعر الروماني الملقب ب ( أوفيد ) من كتابه الشهير ( مسخ الكائنات ) .
نقرأ في أولى قصائد مجموعة ( الأرض أعلاه ) قصيدة بعنوان ( الهروب من المدرسة ) والتي كتبت عام 1997، يوجه الشاعر أسئلته الى حبيبته التي قد تكون أمرأة او مدينة أو وطن فيشتعل الحنين في داخل قلب الشاعر وهو على ما يبدو ساعة كتابته لهذا النص كان قد مضى على غربته قرابة العقد من الزمان ، أحياناً يأخذ بيدنا الى البكاء المّر وهو بكاء الغربة الذي عادة ما يكون من النوع الثقيل لم يعرفه إلا الذين عاشوا الغربة وتفاصيلها المؤلمة خاصة قبل عام 2003 وقبل ان يبددها الأنترنيت وتصبح محض مسافة لا اكثر !
يقول الشاعر عبد الحميد الصائح في قصيدته ( الهروب من المدرسة ) ص9 :
هل تذكرينْ ؟ يوم هروبنا من المدرسة ْ
في الغرفة التي كلما حاولنا الخروج منها اتسعت ْ
حتى أمست وطناً ضيقاً ، يحتله عشاقٌ مزورونْ
أخرجُ قلبكِ الى سريري ، انفخُ عليه فيدمعْ
أتذكرين ؟ في اللقاء الأخير ، نسيتِ قلبكِ على فراشي
لماذا نسيتِ قلبكِ على فراشي ؟
وفي قصيدة بعنوان ( بقاياي تستعاد على يديكِ ) يتعالى حنين الشاعر الى الحبيبة وهو يصف لها الأشرعة المنكسة والبواخر المملوءة بأناس مجانين وعشاق ، والنساء والأنهار وقارعة الطريق ، يصف لها مطلقة الحواس وشبح المدينة ودم وخمرة واحذية جيوش ، لم يترك الشاعر شاردة ولا واردة إلا ما ذكرها ووصفها في منفاه كبقاياه التي اراد لها ان تستعاد على يد حبيبته التي تركها مرغماً يقول الشاعر في آخر القصيدة ص25 :
لملمي مدناً تتراخى امام الرياحْ
وحقولاً تتلوى تحت احذية الجيوش
وملوكاً بمشيماتهم مجاميع تلتهم المياه والأرواح والكتب المقدسة
فمازال في دفتري اسمكِ امواجاً من البياض
وعواصف من اللذة
وألواحاً لمذكرات الانبياء ، والمساقين الى النار
ينتظرون على شواطىء التقوى
السفن المتأخرة .
وفي قصيدة عالية التكنيك بعنوان ( رقم ) يشكل العديد من الأرقام يجمع ويطرح ويضرب ويقسّم فيما بينها ويبقى الناتج هو الرقم (😎 لم يتغير الرقم في كل المعادلات التي اجراها الشاعر داخل القصيدة للرقم لكنه يخرج بنتيجة انه سوف يبقى وحيداً كما هو في غربته ! حين نقرأ خاتمة القصيدة التي كتبها عام 1996 كما نرى في ص 39 حيث يقول :
تخرج روحك لامعةً
مهما مرّت السنوات والمعادلات على صورتك
ومهما تمرغت في سجلات الإحصاء
وأجور العمال وبنوك الديناصورات
والوداع والإنتظار ودفاتر المذكرات .
ليس لك غير ( الصفر ) لتظل أنت كما أنت
حين تضاف وحين تطرح وحين تظل وحيداً .
وعندما يأتي يوم ميلاد الشاعر يكتب قصيدة بعنوان ( فقط ) ولم يكن الشاعر انانياً ولا نرجسياً فيتحدث داخل القصيدة بصيغة الجمع مستذكراً العمر الذي مرّ عبارة عن احلام وحكايات العجائز في آخر الليل وبعض الذكريات ، فيقول في قصيدة ( فقط ) ص 41 :
غداً .. غداً
حين نعود أطفالاً مرة أخرى
بعيداً عما جرى
ذكرياتنا مجففة
دماؤنا بيضاء
ما سمعناهُ ممحو
وما رأيناه أحلام
والدنيا حكايات عجائز آخرة الليل
المدن ، هي التي تتوسلنا
واللغة أوسع من رموز وطقطقة أسنان
غداً حين نعود أطفالاً مرة أخرى
الآخرون يفتشون في شفاهنا عن أول الكلام
يتجندون حين نبكي
يحتفلون حين نضحك .
في القصائد التالية للمجموعة يبدأ نزيف الألم يتعالى في أغلب النصوص حين يستذكر الشاعر والده الذي توفى وهو يفتش عن ابنه الشاعر في المنفى يستذكر أمه وحبيبته ومدينته الناصرية التي أنجبت العديد من المبدعين الكبار على مرّ التاريخ منذ كلكامش وانكيدو وحتى اليوم ، أسماء كثيرة قريبة الى روح الشاعر مثل عبد الخالق المختار الذي كان الأقرب لشاعر( الأرض أعلاه ) وكمال سبتي الذي يتهم الشعر بقتله على حد قوله وقاسم مطرود وطالب القرغولي وخضير ميري ، ورياض ابراهيم الذي مات في زاخو بعد ان هرب مع اطفاله وزوجته ثم تكمل عائلته مشوارها الى المنفى بطريقة درامية مؤلمة وفوق كل هؤلاء كان العراق الذي يسكن في قلب الشاعر ، فالعراق هو الحاضن والأم لكل هؤلاء المبدعين الذين جاءوا من رحمه ، العراق هو أمنا التي ثكلت بابنائها الواحد بعد الآخر ، رحلوا ومازال في الوقت من متسع لوجودهم ففي قصائد مثل الاباء ، الشعر ، اصغاء ، لحظة ظلام ، ناس من الناصرية ، النحات ، دع الفكرة نهائيا ، اذا، وغيرها من القصائد التي يقطر منها الألم والحنين للمدينة والبيت والمدرسة والاصدقاء الذين رحلوا .
في آخر قصائد المجموعة ثمة قصيدة تحمل نفس عنوان المجموعة وهي ( الأرض أعلاه ) قصيدة تنفلق فيها الصور الشعرية والدرامية بطريقة أقل ما يقال عنها حزينة ، مؤلمة ، رثاء من نوع آخر ، رثاء غير مطروق في الشعر من قبل فالشاعر يرثي الجميع قبل ان يرثي نفسه ، قصيدة مسرحت نفسها قبل ان يخرجها ويدخلها الى خشبة المسرح أي مخرج مسرحي فهي تفرض نفسها على المسرح بقوة القصيدة التي تتفوق على من يقترب منها شعرياً .
يقول الشاعر عبد الحميد الصائح في قصيدة الأرض أعلاه ص143:
هم الذين تشابهوا كذكريات المحاربينْ
فأضعت الطريق إلى أضرحتهم
تدلني ساعاتهم التي تعمل وآخرُ الكلمات لحظة الموت
أميزُ .. لا أميزُ بيني ، وما تركوا من وصايا
بين موعدٍ / ربما نلتقي
وبين بلادٍ يحركها اللاجئون على عجلاتْ
بين مقابر سوق الشيوخ التي أبدلتها بجناتٍ ميتةٍ
وآلهةٍ عاطلينْ
وبين أسرة خارج البيوت
وتظاهرات مهددة بقنابل الشهوة …
الأرض أعلاه : مجموعة شعرية
المؤلف : عبد الحميد الصائح
الناشر : دار الحكمة في لندن 2014
أصدار : المركز الثقافي العراقي في لندن
لوحة الغلاف : الفنان كمال خريش
تصميم الغلاف : انمار قاسم مطرود
قد تكون صورة ‏تحتوي على النص '‏الأرض أعلاه عبد الحميد الصائح دار الحكمة لندن IRAQI CULTURAL CENTRE 0 کز الثقافي العراقي‏'‏
كل التفاعلات:

د. حامد الشطري، وزكي العزاوي و٣٧ شخصًا آخر

١٠
أعجبني

تعليق
مشاركة

اترك رد