منبر العراق الحر :
تسعى مبادرة الشاعر والصحفي العراقي الباحث في شؤون الاقتصاد سلام سرحان الى انجاز معاهدة دولية تنزع فتيل صراع تقليدي طويل ومعقد بين الدين والسياسة، في تسوية تاريخية يراها آمنة للطرفين .
مشروع حالم كهذا يعد من عيار المبادرات المثالية وربما المستحيلة في زمننا الراهن . فقد شهدت بدايات النصف الثاني من القرن الماضي تراجع السياسة المحترفة والادارة المدنية الخالصة في الدول العربية عموما لصالح التيارات الدينيةعلى تقاطعاتها العقائدية بعد أن بذلت جهودا وانتجت نظريات وروّجت تاويلات لأنظمة الحكم الديني فرقاء متقاطعين في الرؤى متضامنين في ان سلطة الدين هي الحل .
ولعل البقاء في حدود الدين والهامش الاخلاقي والتربوي الذي يحمله الى جانب مدوناته الإصلاحية أمرٌ يمكن التعاملُ معه، غير أنّ حمْل لواء الدين ممن هم ليسوا على سراطه،جعل السلطة في العالم العربي تُتَداول من قبل مدعي التدين، عسكريين ومدنيين وتجاراً وارهابيين ومتآمرين على صعد شتى. مما طعن السياسة والدين معاً، وأصبح العالم في ظل هؤلاء فريسة دين ممتهن مستغل، وسياسة يقودها فاشلون ومفسدون.
ولايقتصر انهيار القيم هذا على دول عربية بل يتعداه الى مناطق متفرقة من العالم .حيث اصبح هذان الطرفان المتواطئان ، دين السلطة و وسلطة الدين ، أول من يواجه معادلة فصل الدين عن السياسة ، لأنهما المتضرران الرئيسان منها.
في مفترق النار هذا تَعِدُ مبادرة سلام سرحان بضمان خروج آمن من مناطق انهيار القيم وضياع الفرص الذي خلق فجوة واسعة بين شباب اليوم والنموذج الديني في الحكم، وفجوة أوسع بينهم وبين السياسة التي جعلت بلدان هذا النمط من الحكم متراجعة ومتخلفة الى حدودٍ دنيا بعيدة. فما هو جديد مبادرة سرحان ؟ ولماذا لقيت حتى الآن قبولا متسارعا من كبار الشخصيات العالمية السياسية والفنية والثقافية كذلك المنظمات المحايدة التي تعمل لدعم حقوق الانسان والحكم الرشيد والتنمية البشرية في العالم؟ فضلاً عن رجال أعمال وبرلمانيين من اكثر من 80 دولة بل من رجال دين يمثلون ديانات عدة أيضا ؟.وكيف انجز سلام ومن معه صيغة التسوية التي تفك اشتباك الخلط التعسفي للمعتقدات الدينية بمسؤوليات الحكومات في فرض سيادة القانون ليجد الدينُ والسياسة معاً انّ بهما حاجة لذلك؟ رغم حساسية الحديث في العلاقة بين الدين والسياسة في العالم العربي والاسلامي على الأقل؟
تشير ديباجة المدونة الأساسية للمبادرة مباشرة الى “ان المبادرة لاتسعى الى فصل الدين عن السياسة،بل ترى أن ذلك الفصل قد يهدد استقرار الكثير من الدول والشعوب، ويعطي ذخيرة مجانية للجماعات الإرهابية.انما تسعى الى اصدارِ قانون دولي يحظر جميع أنواع استغلال الأديان لأغراض سياسية.أي منع استخدام الدين ذريعةً في انتهاك المساواة، وازدواجية تطبيق العدالة. كذلك حظر الإقصاء الديني وجميع القيود على حرية الاعتقاد والعبادة.ولذلك حظيت المبادرة بهذا التاييد الواسع وترحاب الشخصيات والزعامات الدينية من عشرات الأديان من كل أنحاء العالم، منذ انعقاد أول مؤتمر دولي لإعلانها في المغرب في حزيران – مايو 2022 ، كونها تؤكد على احترام الأديان جميعاً وتحرّرها في جوهر أهدافها من التوظيف السياسي كذلك و منع كل أشكال التمييز بين البشر على أسس دينية. وبذلك يتحول عدم الالتزام بالمعاهدة المقترحة إلى فضيحة للحكومات، التي ترفض تلك القواعد العادلة،أو تدعي ذلك علناً في الاقل.
وفي الوقت الذي تنطوي فيه فكرة المبادرة على دلالة خاصة كونها تاتي من منطقة الشرق الأوسط، أي من أكثر المناطق معاناة من الاستغلال السياسي للأديان ومن الحروب والصراعات الدينية. فان دلالتها الاخرى بالنسبة لنا انها مُبْتكر عراقي، مؤسسها مثقف عراقي وشاعر طليعي أراد أنْ يشرحَ للناس درسَ الإصلاح والوحدة والتنمية انطلاقا من العقل العراقي الخلّاق دائما.
ونحن نرى نمو هذا المشروع والتفاف مريدين لدعمها كما تشير انشطتها وحراكها الذي تقوده منظمة بيبيور انترناشونال www.bpur.org المسجلة في بريطانيا ، فذلك فرصة للعراق مؤسساتٍ مدنية ًورسمية أنْ يتبنى هذا المشروع لجمع اكبر قدر من الحكومات الداعمة لتسريع عملية إدراجها في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة والضغط لإقرارها وضمّها الى المواثيق الدولية الرصينة الداعمة لحقوق الشعوب في الحريات والاستقلال والحياة، كي لايترك سلام سرحان وحيداً حالُه حال المصلحين والعقول العراقية التي تحاول جعل العالم محتوى أجمل وأكثرَ عدلاً وأماناً .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر