المراكب الهرمة …. فلاح المشعل

منبر العراق الحر :
يحزنني منظر المراكب القديمة وقد تركت على رمال الشواطئ بإنكسار حزين ، المشهد يعيد لي أوضاع بعض نجوم الرياضة وصورهم القديمة بالمداليات وأوسمة البطولات، بينما يعانون الآن من شظف العيش وصعوبة الحياة وعدائيتها .
صور شارع الرشيد قبل ثلاثين سنة كيف كان مزدهرا مضاءً جميلا كأنه في عرس دائم ومحطة لتجوال العاشقين، شارع البنات أو شارع النهر وعناقه الدائم مع نسائم دجلة وأشجارها ، الرشيد اليوم يبات معتما ً بعد نهار مملوء بالنفايات وضجيج ورش الحدادة ومخازن البالات ومحلات ” البنچرجية” وهناك أزقة مخيفة !؟
من هنا مرَّ السياب وغائب طعمة فرمان وبلند الحيدري وجواد سليم وفؤاد التكرلي وعبد الوهاب البياتي وفائق حسن وفي المقهى البرازيلية كانت لقاءاتهم، وهناك أيضاً رجال الطبقة الأرستقراطية وأبناء العوائل الثرية بعناوينهم المعروفة ، كما يقصدها الأجانب والسائحين لاحتساء القهوة والتمتع بالمشهد المتحرك للشارع خلف زجاج المقهى .
الآن لاتوجد طبقة ارستقراطية في بغداد، لاتوجد عوائل ثرية بالمعنى الخمسيني والستيني ، غابت ملامح البشر في بغداد وأختفت معها المقاهي، تحولت إلى مخازن البضاعة الصينية الرديئة .
أما الثروة والأموال فقد أصبحت من نصيب اللصوص و”القفاصة” وأصحاب الأحزاب ومتعهدي والانتخابات والتظاهرات والقتلة أيضا” .
المحزن على الصعيد الشخصي أن الشعور بتلك الأماكن صار يختفي كلما مرَّ الزمان وألقى بركامه على الذاكرة، تظهر أحياناً بعض صور من ذلك الزمان في الأحلام وتختفي بسرعة، كأنها تهرب حتى من أحلامنا !
الأماكن هي هي ..لكن البشر تغيرت !
أين ذهب أهل بغداد، لماذا تخلوا عن ذلك الفردوس الذي يتوزع على كرخها ورصافتها ا؟
بلادنا وحدها في هذا الكوكب من تتخلى عن أبنائها ، ومدنها ، ورموزها العظيمة ، ومراكبها القديمة تنوح على شواطئ دجلة !
لماذا تركنا باب الشرجي لباعة المخدرات وسكارى آخر الليل من المشردين والشواذ، ماذا سيقول جواد سليم حين تطلُّ روحه من أعلى الجدار سائلة عن أحوال الشعب الذي خلده في جدارية الحرية؟
تعرضت بلادنا لرياح العهد الملكي، ونكباته وعاشت العهد الجمهوري الدكتاتوري وويلاته وآخر العهود كان العصر الفاشي، لكنها لم تتعرض إلى المسخ كما حدث ويحدث في عصر الإسلام السياسي، فالوطن يتعرض للاستبدال، والذاكرة للتدمير ، والثقافة تلفظ أنفاسها بتوابيت الطائفية والتفاهة .

اترك رد