منبر العراق الحر :
نزل آدم وزوجته حواء تحت ظل سدرة خضراء قرب مكان يلتقي فيه نهرا ميزوبوتاميا ( دجلة والفرات ) في مدينة القرنة جنوب العراق .
وفي أديم النص السماوي والأسطوري والحكائي الشعبي لقصة النزول تنتشر الرؤية في مخيال البشر ، ومنها يأخذ البشر العِبر والرسامون الصور .
وتبقى قصة التفاحة من بعض اسباب هذا النزول لهذا حين نوى أحد المعلمين على تكملت نصف دينه وجلب صندوق تفاح على المعلمين والتلاميذ ليوزعه بمناسبة خطوبته ، وجدتها مناسبة لأزرع في ذهن التلاميذ البدايات الروحية والقصصية لقصة نزول أبو البشر آدم وفي مكان قد لا يبعد سوى اربعين ميلا عن قرية ام شعثة حيث تقع مدرستنا.
برحمته وبصفاء دمعته الحزينة شاهدت ملامح آدم لأول مرة في عيون أطفال الأهوار ، وثمة سعادة مشتركة بين الأثنين ولأنني لا أعلم ان كان الأطفال في قريتنا قد سُمحَ لهم في مناسبة ما أن يقضموا التفاح الأحمر بتلك السعادة واللذة التي اراها في عيونهم عندما قلت لهم :
وانتم تأكلون التفاحة استمعوا الى حكايتها.
فجأة انبرى مسعد أذكى التلاميذ فطنة وسألني والتفاحة تملأ فمه :
أستاذ لا توجد امرأة في قريتنا اسمها حواء ولا يوجد فيها رجل أسمه آدم ، وعندما اتزوج مثل معلم القراءة الذي نأكل تفاحة عرسه اليوم وانجب اولادا ، البنت سأطلق عليها اسم حواء والولد آدم.
وحتماً بعد هذه السنوات الطويلة ربما كانت قصة النزول قد منحت أولئك الصغار في شبابهم شيئا ، فهناك من استعان بدمعة النبي يوم أمرهُ الرب بالنزول الى الارض ومغادرة الجنة ، لكي تشفع له وتحميه من شظايا الحرب ، وهناك من استمع الى نصيحة مسعد الذي انتحر في يوم ما وغادر الحياة دون أن يتسنى له ان يسمي من يخلفهم بأسمي ادم وحواء وربما غيره فعل ذلك .
غير أن تلك التفاحة الحمراء التي كنت اشاهدها تذوب سعادة في افواه التلاميذ الذين لا يرون ويتذوقون الفواكه إلا في المناسبات البعيدة بقيت تعيش في مخيلتي وتعيد اليِّ ذكريات انشداد التلاميذ لتلك القصص التي كنت أريد بها ان اعبر معهم الى العالم الاخر بعيدا عن غابات القصب والماء وقطعان الجواميس وهي تنسل من لذة الماء لتعود لتشخر الليل كله في زرائبها بعد حلبها.
تعيش كلما تصادفني قصة نزول النبي على الارض مرسومة بفسيفساء ملونة في سقف كنيسة أو لوحة في متحف أو تحت اجفان امرأة تحمل اسم حواء حتى لو كانت من بلد افريقي أسمه مالاوي .
النبي بقيَّ دالة لنزول الذكريات على رأسي ، وكل قصيدة او اغنية تحمل شيئا من حكايته توراتية كانت أم اسلامية ، أعود مسرعا بمشاحيف الذكريات واتمنى أن اقف أمام البشر الواقفين على رصيف محطة قطار دوسلدورف ينتظرون معي وصول القطار الذاهب الى بروكسل ، وأعيد قص ذات الحكاية التي كنت ارويها لتلاميذ مدرستي.
وذات يوم عدت لأزور القرية لمجرد استذكار الامكنة واصحابها لأرى ان اغلب الكبار غادروا الحياة والتلاميذ كبروا وانجبوا ، والمفاجأة السعيدة التي اعادت اليَّ تلك اللحظات الجميلة يوم كنت أقف امام تلامذتي وأنا اروي لهم قصة نزول آدم وحواء اني رأيت ولديَّ مكسيم ابن الطيب الذكر شغاتي ، البنت اسمها حواء والولد يحمل اسم آدم……!
منبر العراق الحر منبر العراق الحر