منبر العراق الحر :
ترتفع المياه في نهري دجلة والفرات وأنهار أخرى وروافد لا تحصى، هذا ما يحدث في مطلع الصيف العراقي المترع بعبق الحدائق وروائح البساتين وطلعها وهو يتحول إلى رطب، كانت البساتين تحيط بالمدن، وبغداد تبدو أشبه بغابة من نخيل وبساتين متلاصقة تتخللها الشوارع والأحياء السكنية، مدينة خضراء ولا تختلف عن البصرة أو الموصل والحلة والناصرية إلا بحجم المساحة، وكثرة الحدائق والأشجار ومشاتل الورد التي تفيض نحو شوارع تتوسطها ألوان الورد، كانت روائح الجوري والياسمين والشبوي وملكة الليل وغيرها من الزهور، عطور تهرب من الحدائق، وتلامس وجوه المارة!
بغداد المشتهى، والذاكرة والحب البعيد، تهاجر نحو النسيان، تستبدل روحها وعطرها بدخان أسود وغبار يطوق المدن والجدران التي أحالت اللون الأخضر إلى السجن الأسمنتي البليد!
أجهزوا على حدائق بغداد وبساتينها، أقوام تكره الشجر الأخضر وعطر الورد، نازحون من قرى الصفيح القاحلة والبيئات الآسنة، لتجد ضالتها في الكونكريت، جاءوا البلاد بالصحارى والغبار، وزعل المطر!
عواصف غبار تحول كل شيء نحو الأصفر وكونكريت يقتل روح الطابوق القديم ورطوبته الأليفة التي يطعم بها الأجساد في قيض تموز وآب!
جرفوا البساتين والمناطق الزراعية المحيطة ببغداد، كما جرفوها في محيط المدن الأخرى، أحالوها إلى مجمعات سكنية أو تجارية للحيتان من السياسيين والمسؤولين والسادة والشيوخ والنافذين والنافذات في مملكة الفساد!
قبل وقت ليس بالبعيد كان القتلة يخططون ويرسمون لاغتيال حدائق الزوراء، كما اغتالوا حدائق الـ “نو نيم” في اليرموك وعشرات الحدائق في المنصور والمأمون وشارع فلسطين والجادرية والعلاوي والدورة والقناة، هشموا بغداد حطموا مناظرها الجميلة وروحها البغدادية ورحيق حضارتها العباسية، بذوقهم الأجرب، وجشعهم المفتوح على التهام بغداد، وتحويلها إلى علب حجرية تُغلق على أهلها!
نعم حتى وقت قريب كانت توجهات القتلة تخطط لاغتيال حدائق الزوراء ومنحها لكبار المسعورين كأراضي سكنية، بعد ابتلاعهم العديد من المساحات الخضراء والحدائق العامة، وحولوها لمقابر تجارية.
الهمج لا يحملون ثقافة الحدائق، بل جاءوا يغطيهم الغبار والتراب القاحل وعفونة الجهل.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر