*انقلاب بريطاني – أوروبي على إسرائيل : من الشراكة إلى المواجهة*.. ناجي الغزي

منبر العراق الحر :…. باحث سياسي واقتصادي….
تشهد الساحة الدبلوماسية الأوروبية تحولاً جذرياً في مواقف القوى التقليدية الحليفة لإسرائيل، وعلى رأسها بريطانيا، تجاه السياسات الإسرائيلية في غزة، وهو تحوّل يبدو أقرب إلى “انقلاب سياسي ناعم” في اللغة والخطاب والمواقف، بل في التحركات الفعلية التي تمهد لعقوبات غير مسبوقة.
*أولاً: خلفية التحول البريطاني*
لندن، التي لطالما كانت في طليعة العواصم الغربية الداعمة لإسرائيل، تبدو اليوم في موقع تصادمي مع حكومة نتنياهو، بعد تصعيد خطير في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، تخلله تجويع ممنهج، وحصار خانق، ورفض واضح لإدخال المساعدات الإنسانية. الجديد أن التحول لم يأتِ من جهة قوى معارضة، بل من قلب الحكومة البريطانية، وتحديداً من زعيم حزب العمال كيير ستارمر ووزير الخارجية ديفيد لامي، وهو ما يمنح هذا التحول ثقلاً مؤسسياً ورسمياً.
*ومن هنا نرصد لغة جديدة في الخطاب والحوار الحاد مع اسرائيل:*
• وصف رئيس الوزراء البريطاني ما يحدث في غزة بأنه “مروّع وغير مقبول”.
• استدعاء السفيرة الإسرائيلية سيفي هوتسي ليفي لإبلاغها احتجاج رسمي.
• تهديدات بوقف تصدير مكونات طائرات F-35 وأنظمة التوجيه الإلكتروني.
• تعليق محتمل لاتفاقية التجارة الحرة مع إسرائيل.
*ثانياً: العوامل المحركة للتحول البريطاني*
1. *الضغط الشعبي والإعلامي*: الرأي العام البريطاني بات أكثر وعياً وغضباً إزاء المشاهد الواردة من غزة، بما في ذلك استخدام المجاعة كسلاح، وقصف مناطق مدنية مأهولة.
2. *الحرج القضائي*: دعوى قضائية ضد الحكومة البريطانية بتهمة التواطؤ في جرائم إبادة جماعية، تُحرج لندن أمام مؤسساتها القضائية.
3. *الاستفزاز الإسرائيلي*: رد نتنياهو على البيان الثلاثي (بريطانيا، فرنسا، كندا) واتّهامهم بدعم “الإرهاب” زاد من الغضب في لندن وأدى إلى قطيعة دبلوماسية جزئية مع حكومة نتنياهو.
*ثالثاً: التحول الأوروبي الأوسع*
ما يحصل في لندن ليس حالة معزولة، بل هو جزء من موجة تصعيد أوروبية شاملة:
• *الاتحاد الأوروبي* يعيد النظر في اتفاقية الشراكة الموقعة مع إسرائيل منذ أكثر من 20 عاماً.
• *لوكسمبورغ* تصف الوضع في غزة بأنه لا يمكن تبريره بأي كلمات.
• *السويد* تدعو إلى فرض عقوبات على وزراء إسرائيليين.
• *فرنسا وهولندا* تقودان دعوات لفرض عقوبات على المستوطنين العنيفين.
• *إسبانيا* تخطو نحو تصعيد غير مسبوق: رئيس الوزراء الاسباني يصف إسرائيل بـ”دولة إبادة جماعية”. وكذلك دعوة لاستبعاد إسرائيل من مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن). ومناقشة قانون لحظر شامل لتجارة الأسلحة مع إسرائيل داخل البرلمان الإسباني.
*رابعاً: التحول من التحالف إلى المساءلة*
التحالف البريطاني-الأوروبي مع إسرائيل كان قائماً تاريخياً على أسس استراتيجية
منها : دعم مشترك في مواجهة “الإرهاب”. وشراكات اقتصادية وأمنية. ومظلة دعم أميركية ضامنة لأي انزلاق في العلاقات. لكن الآن، يحدث تغيير نوعي في مفهوم العلاقة: من “تحالف بلا شروط” إلى “شراكة مشروطة بالاحترام للقانون الدولي”. ومن “تجاهل الانتهاكات” إلى “المساءلة القانونية والسياسية”.
*خامساً: السيناريوهات المحتملة*
1. *عقوبات عسكرية مباشرة*: إن وافق البرلمان البريطاني أو الإسباني على تعليق صادرات السلاح لإسرائيل، فستكون سابقة خطيرة في علاقة الغرب مع تل أبيب.
2. *مراجعة شاملة لاتفاقات الشراكة*: الاتحاد الأوروبي قد يعلّق جزئياً أو كلياً الاتفاق التجاري مع إسرائيل، ما سيؤثر على صادراتها للاتحاد التي تبلغ أكثر من 30 مليار دولار سنوياً.
3. *إعادة تعريف العلاقة الغربية مع إسرائيل:* إذا استمر نتنياهو بتجاهل التحذيرات، فإن العواصم الأوروبية قد تذهب أبعد، إلى حد فرض عزلة دبلوماسية على حكومته، إن لم يكن على الدولة الإسرائيلية نفسها.
*سادساً: إنعطافة استراتيجية حادة في العلاقات الاوربية الاسرائيلية*
نحن أمام لحظة مفصلية في تاريخ العلاقات الأوروبية – الإسرائيلية. بريطانيا، التي أسست النظام الدولي الحديث عبر وعد بلفور، تقود الآن انعطافة حادة ضد من منحته الوعد. أما أوروبا، التي التزمت لعقود بالدعم غير المشروط لإسرائيل، فقد وصلت إلى نقطة اللا عودة مع حكومة اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو.
هذا الانقلاب ليس مؤقتًا ولا عاطفيًا. إنه تحوّل استراتيجي طويل المدى مدفوع بمزيج من: الضغط الشعبي. والمعايير الأخلاقية والقانونية. والتغيرات الجيوسياسية التي تشمل ضعف الهيمنة الأميركية وتنامي التعددية القطبية.
الرسالة هذه المرة واضحة من قبل أوروبا: إسرائيل لم تعد فوق القانون. وإن استمرت في سياساتها، فإن الغرب الذي طالما دعمها، قد يصبح خصماً علنياً لها.

اترك رد