قصة قصيرة….مت… قاعد… “زهرة الخالدي”

منبر العراق الحر :

الكرسي الذي اعتدتُ الجلوس عليه في ركن شارعنا حيث بيتي، بدا وكأنه فارغ هذا الصباح على الرغم من جلوسي عليه، إذ لم أحظ بتحية واحدة من تلك التحايا التي اعتدت تلقيها يوميا عند ذهاب الجيران إلى أعمالهم المختلفة صباحا، مع أن اغلبهم كان ينظر ناحيتي لكنه لا يكلف نفسه أداء تحية الصباح ، لكم آلمني ذلك، كم شعرت بالضآلة هذا اليوم، أن يتجاهلك الآخرون ولا يلحظون وجودك، شيء لا يمكن احتماله، في السنوات الماضية ولحد يوم أمس كنت اتربع على كرسي أسميته(مت قاعد) تماشيا مع النكتة السائدة في تجزئة مفردة (متقاعد).
يبتدئ منذ الصباح الباكر يومي، أجلس في باب داري الذي عشت فيه حياتي كلها، إذ أصبحت لا اطيق المكوث فيه بعد رحيلها، تلك المرأة التي رافقتني على مدى أربعة عقود، يدخل البيت صباحا في هرج ومرج، إذ يتهيأ ولدي البار وزوجته وابناءه لينصرفوا إلى أعمالهم اليومية، أجلس أنا على هذا الكرسي ، أغرق في أفكاري واجترار الذكريات، حيث تطوف حولي بحسرة ذكرى بعض جيراني، ورفاقي الذين رحل اغلبهم إلى الدار الآخرة، اتململ في جلستي ، اعرف حركة الشمس فأتقلب عنها ذات اليمين أوالشمال، ولكن بدون كلب يبسط ذراعيه بالوصيد ويأنس وحشتي، ترى ماذا كان شعور فتية الكهف وهم يستيقظون على تغيير شامل في حياتهم ؟! كيف استوعبوا فكرة فقد احبتهم وصحبتهم وتبدل معالم مدينتهم المألوفة دفعة واحدة ؟! ، يا لها من معاناة تكفي وحدها ليثابوا بالجنة الموعودة.
أرقب الناس، لاسيما النسوة ، هذه البنت الشقية ذات العينين البنيتين تذكرني بحبيبتي التي كانت تقطن هنا ، لا أتذكر هل انها كانت حبي الاول؟! اظن ذلك فكلما دار الحديث عن الحب الأول والفتاة الأولى تقفز صورتها لتبدو طرية كملمس خديها اللذين داعبت شفتي نعومتهما ذات مرة، كانت تقاوم ضحكة مكتومة، ربما لاحظت سذاجتي وقلة خبرتي، وترقب في الوقت نفسه الباب الموارب لغرفة جدها حيث تعيش بعد رحيل أبيها وزواج امها من رجل آخر، كانت تشجعني على المزيد باغواء، لم أكن فتاها الأول هذا ما دلت عليه خبرتها وليس الأخير، فقد زهدت بي بعد حين لتستبدلني بآخر أكثر وسامة وجرأة مني، لكن ذكراها ظلت طرية تنط على سطح الذاكرة كلما رأيت هذه البنت. هل لأنها كانت تجربتي الأولى التي منحتِني خبرة صرت انميها مع مرور الوقت؟!
يقطع حبل افكاري صياح هرّان كانا قد دخلا في صراع شرس، ربما كان سببه قطة أو غنيمة من بقايا طعام، هذا شأن أغلب الصراعات منذ الأزل.
انتبه إلى جارتي التي بيتها يقابل بيتنا، تخرج لترمي النفايات وتنفح عامل النظافة بعض المال، أوقدت حركة يدها البضة نار ذكرى لصفعةٍ هوت على صفحة َوجهي الأيسر، في إحدى المنتزهات التي كانت بغداد تزهو بها آنذاك ، لا أذكر تماما سبب تلك الصفعة، هل كان سببها تنصلي عن وعد بالزواج كنت قد قطعته لها؟! ، اتذكر فقط تلك اليد المرتعشة غضبا، حيث ترك أثر صفعتها احمراراً كان موضع تهكم أصدقائي وتساؤل أمي المتكرر، وهي تتفرس بوجهي قلقا على إبنها الوحيد في أن يدخل مشاجرات قد تؤذيه.
أنظر بحزن متنهدا إلى أحد البيوت حيث المرأة التي حمل نعشها ابناؤها مؤخرا ، والذي كان بيتها مسرحا لمغامرات عشق كنا بطليها، بعد أن فُقِدَ زوجها في إحدى معارك القائد الضرورة. في أيامها الأخيرة كانت ترفع يدها تحية لي كلما خرجت من بيتها، مازلت اذكر اللقاء الأخير لنا حين ضبطني ابنها الأوسط وانا أخرج من بيتهم مسرعا، لم اعد بعدها ولم تعاتبني أو تسألني عن سبب انقطاعي.
أما المرأة الفاتنة، جارتي التي كانت حلم شباب المدينة، ها هي اليوم تمشي محنية الظهر تتوكأ على عكاز هو كل ما بقى لها بعد رحيل زوجها وهجرة ابنها الوحيد. اي عجلة فتاكة للزمن؟! تهرس فينا كل شيء حتى الروح!
يقطع حبل الذكريات مرور بعض الرجال اتعرف على ولدي بينهم ، استغرب عودته بهذه السرعة، فقد ذهب إلى عمله قبل ساعة، أراهم واجمين لم يلتفت أحدهم إلي، يدخلون جميعا، يغيبون في بيتي مدة من الزمن يعلو بعدها ضجيج وعويل ، يخرجون بعد مدة بجثة لا حراك فيها تشبهني جدا، يحاولون حشرها بإحدى السيارات ، أقف بينهم مذعورا وأنا أشاهد أحدهم يحتضن ولدي المُنتحِبْ، والذي كان ينادي عليَّ بلوعة دون أن يفطن لوجودي أو ينتظر ردي .

 

اترك رد