منبر العراق الحر :
الفلسفة كما عرّفها فيثاغورس هي حب الحكمة، لكن هذا التعريف اللغوي لا يكفي لفهم عمق معناها، فالفلسفة في جوهرها تفكير نقدي في الوجود وظواهره، إنها لا تكتفي بالظاهر، بل تسعى إلى الغوص في أعماق الأشياء، بحثا عن الأسباب والمعاني، غير أن هذه المهمة النبيلة لم تحظَ دائما بالترحيب، ففي مجتمعاتنا، كثيرا ما يُنظر إلى الفلسفة نظرة سلبية، تُختزل في طابعها النظري، وتُتهم بأنها تبتعد عن الواقع، بل أكثر من ذلك تعتبر مصدر خوف و إزعاج لا مغزى منه. فلماذا هذا الخوف من الفلسفة؟
يرى عامة الناس أن الفلسفة لا تتعدى أن تكون تمرينا ذهنيًا مجردا، يُمارس داخل جدران الفصول أو الكتب، ولا فائدة عملية له. وهنا تكمن إحدى الإشكاليات الكبرى: إساءة فهم جوهر الفلسفة فهي في نظرهم انفصال عن الواقع، بينما هي في حقيقتها وسيلة لفهمه والارتقاء به، لذلك حُصِرت الفلسفة في أذهانهم كفكر عقيم، بينما هي السبيل لتحرير الإنسان من قيوده الذهنية والاجتماعية.
الإنسان بطبعه كائن هشّ(ضعيف)، وغالبًا ما يبحث عن قوة خارجية تحميه وتُشعره بالأمان فيقدّس تلك القوة، ويخضع لتشريعاتها دون تساؤل، هنا تتدخل الفلسفة كقوة مزعجة، لأنها تطرح أسئلة تتجاوز السائد والمسلّم به: هل الإله موجود؟ من خلق العالم؟ ما مصدر هذه التشريعات؟ هذه الأسئلة، وإن كانت نبيلة، تُقلق الناس لأنها تمسّ معتقداتهم الراسخة، وتُخرجهم من منطقة الراحة الذهنية. لذا تُصوَّر الفلسفة كخطر على الإيمان، في حين أنها تسعى فقط إلى الفهم، لا الهدم.
الخوف من الفلسفة غالبًا لا ينبع من تعارض حقيقي مع الدين، بل من فهم سطحي لكليهما، لقد سعى العديد من المفكرين إلى التوفيق بين العقل والوحي، كما نجد عند طوما الأكويني والقديس أوغسطين في الفكر المسيحي، أو ابن رشد في الفكر الإسلامي الذي ألّف كتابه الشهير “فصل المقال بين الشريعة و الحكمة من الاتصال” ليؤكد فيه أن لا تعارض بين الحكمة والشريعة، بل بينهما اتصال عميق و متماسك، المشكلة إذًا ليست في الدين أو الفلسفة، بل في الذين يشوهون صورتَيهما.
تلعب الأنظمة التعليمية دورًا كبيرًا في ترسيخ هذا الخوف، فبدل أن يكون تدريس الفلسفة تدريبًا على التفلسف، أي على التفكير الذاتي والنقدي، يتحوّل إلى تلقين لمواقف جاهزة للفلاسفة ، تُطلب من التلميذ كما هي، وهكذا، تُصبح الفلسفة مادة جامدة بدل أن تكون أداة حية لفهم الواقع، الحل يكمن في إعادة ربط الفلسفة بالحياة اليومية، وبيان أهميتها في تشكيل الإنسان المسؤول والمستقل.
الفلسفة الحقيقية مزعجة للسلطة، لأنها تسعى إلى بناء إنسان حرّ، أخلاقي، لا تحركه المصلحة، بل الواجب، كما في فلسفة كانط، المواطن الفيلسوف لا يحترم القانون خوفًا من الشرطة، بل التزامًا بمبادئ القانون. السلطة بطبعها، لا تحب هذا النوع من المواطنين، لأنها لا تريد من يفكر، بل من يطيع، ولهذا كانت الفلسفة دائمًا مصدر قلق للأنظمة الاستبدادية، التي ترى في العقل الحر تهديدًا مباشرا.
في التاريخ شواهد كثيرة على عداء السلطة للفلاسفة. سقراط أُعدم لأنه “أفسد عقول الشباب”، رغم أن ما كان يريده هو تنمية عقولهم، وابن رشد نُفي، وأُحرقت كتبه، واتُّهم بتقديم الفلسفة على الدين، فقط لأنه اعتبر العقل هدية من الله يجب استخدامها، كان يشعر بالغربة في وطنه ودينه، لا لشيء سوى لأنه استخدم عقله.
الواقع أن الناس يرون الفلسفة بعيدة عن حياتهم اليومية، لكن هذا التصور خاطئ. الفلسفة المعاصرة وخاصة الفلسفة البراغماتية، جاءت لتكسر هذه الصورة، مؤكدة أن الفلسفة ليست للتأمل فقط، بل لخدمة الحياة، ولذلك فإن إعادة ربط الفلسفة بالواقع وتدريس تياراتها العملية، سيسهم في تغيير هذه النظرة السلبية.
حين نخاف من الفلسفة، فنحن في الحقيقة نخاف من العقل، ونخسر جوهرنا الإنساني. نصبح مجرد أوعية تُملأ، لا عقول تفكر، الفلسفة لا تسعى إلى الهدم، بل إلى الفهم هي التي تُعلمنا كيف نفكر، كيف نشك، وكيف نبحث عن الحقيقة بأنفسنا، ومن دونها، نعيش بعقول غيرنا، لا بعقولنا.«رسالتي إلى كل من يخاف الفلسفة: لا تخف من أن تسأل، بل خف من أن تموت وأنت لم تفهم لماذا عشت».
طالب و باحث بالمدرسة العليا للأساتذة. الرباط. المغرب
منبر العراق الحر منبر العراق الحر
الفلسفة هي خوض طريق غير طريق المنطق