منبر العراق الحر :
الغموض كوظيفة استراتيجية
في المنظومات السياسية الكلاسيكية، يُفترض أن تُدار السلطة بوضوح، وأن يُقاس الفعل السياسي بما يتركه من أثر مباشر أو معلَن. لكن حين يتحوّل الغموض إلى أداة، ويتقدّم الإبهام على الإيضاح، نكون أمام مشهد مختلف: مشهد تُدار فيه الجغرافيا بالاحتمالات، وتُصاغ فيه الاستراتيجيات بلغة التلميح، لا التصريح.
العبارة التي أطلقها دونالد ترامب في واحدة من أكثر لحظات التوتر الجيوسياسي احتقانًا:
“قد أفعل… وقد لا أفعل”
ليست مجرد مراوغة دبلوماسية، بل بنية دلالية مركّبة تحمل في طيّاتها كل مفردات الصراع: التهديد، التراجع، الانكفاء، والإقدام المؤجّل.
⸻
سيمياء الترقّب: المعنى لا يُقال، بل يُؤجَّل
من منظور الخطاب، نحن أمام لحظة “تشفير سياسي علني”: إذ لا يُقال الشيء كي يُفهم، بل كي يُستنتج، ولا يُنكر الفعل كي يُلغى، بل كي يبقى احتمالًا فاعلًا.
هذه التقنية، التي يمكن تسميتها بـهندسة التوجّس، تُبقي الفعل السياسي في حالة “قيد التحوّل”، فيحوّل المشهد كله إلى مجال زمني مفتوح، حيث القرار لا يُعلن… بل يُؤثّر بصيغته المؤجلة.
الفاعلون الإقليميون ليسوا في مواجهة قرار، بل في مواجهة انتظار القرار.
وهذا الفارق ليس تقنيًا، بل وجوديًّا: إذ تتعطّل كل الحركات الاستباقية حين يتحوّل “عدم اليقين” إلى سيّد المرحلة.
⸻
الشرق الأوسط كفضاء مؤجَّل: الجغرافيا رهينة العبارة
المنطقة اليوم لا تعيش حربًا شاملة، لكنها لا تنعم بسلام مستقر.
لا اتفاقات جديدة، ولا انهيارات حاسمة، فقط تصعيد جزئي، ومناوشات محسوبة، وملفّات مفتوحة تُدار بنظام “التحكّم بالإيقاع لا بالاتجاه”.
في هذا المشهد، تتحوّل العبارة العابرة إلى عنصر حاكم:
■ التلميح بضربة عسكرية يُحدث اضطرابًا أكبر من الضربة نفسها
■ الحديث عن مفاوضات دون تفاصيل يخلق ديناميكية وهمية من التهدئة
■ التأجيل المبطّن يُنتج فائضًا من التوتّر أكبر من التصعيد الصريح
وهكذا، تصبح الجغرافيا السياسية غير مرتبطة بالفعل ذاته، بل بتأويل ما قد يحدث لاحقًا.
⸻
اللاعبون خلف الستار: صراع على تعريف التهديد
في قلب هذا النظام الرمزي، تتبدّل ملامح الفاعلين:
■ الولايات المتحدة تمارس سياسة “الغموض البنّاء”، حيث تُبقي التهديد محتملًا دون أن تربطه بسقف زمني.
■ إيران تتقن خطاب “الردّ الغامض”، الذي لا يعدو كونه اشتباكًا بلاغيًّا مضبوط الإيقاع.
■ إسرائيل تتحرّك ضمن فلسفة “الضربات غير الموقّعة”، فتُبقي الردّ في منطقة الضجيج دون إثبات الحضور.
■ أوروبا تتأرجح بين “الوساطة المؤجلة” و”القلق البنّاء”، مما يجعلها طرفًا في معادلة التهدئة دون قدرة على صياغتها.
أما بقية الفضاءات (الخليج، تركيا، الصين، روسيا)، فتتحرك داخل هذا المسرح الرمزي، الذي يُدار بلغة غير مكتوبة، تُترجم فيها الإشارات لا البيانات.
⸻
التفاوض كظلّ لا كحدث: حين تُدار الحوارات من فراغ اللغة
اللافت أن غياب المفاوضات العلنية لا يعني غياب التفاوض، بل يعني تحوّله إلى ظلّ يدير العلاقات من خارج الطاولة.
في هذا النمط، لا تُفتح الملفات عبر وسطاء، بل تُركن في مساحة التأجيل الاستراتيجي،
ويُستبدل السؤال: “ما الذي تم التوصل إليه؟”
بسؤال آخر: “ما الذي لم يُعلن بعد؟”
⸻
المهلة كتقنية سياسية: الزمن بلا ساعة
حين تُستخدم المهلة كأداة، يتحوّل الزمن من وحدة قياس إلى أداة ترهيب.
التهديد ليس في الحدث المتوقع، بل في الجهل بموعده.
وهنا تصبح المهلة نوعًا من “الحرب المؤجلة” التي تبدأ قبل أن تُعلن وتنتهي دون أن تقع.
⸻
خاتمة : نهاية القرار… وبداية الرمزية
ما تشهده المنطقة اليوم ليس غيابًا للقرار، بل تفكيكًا متعمدًا لفكرة القرار.
لقد أصبح التهديد نفسه خطابًا، والتفاوض نفسه فعلًا مؤجلًا، والمهلة ذاتها جزءًا من ماكينة الإرباك لا من هندسة الحسم.
“قد أفعل… وقد لا أفعل”
ليست مجرد عبارة… بل تقنية في إدارة العالم،
حيث لا يتحكم أحد بالفعل، بل بالانطباع عنه.
وهنا، يُصنع النفوذ لا من الضربات… بل من فراغ الفعل المحسوب
منبر العراق الحر منبر العراق الحر