منبر العراق الحر :
في سجلّات الجغرافيا السياسية، نادرًا ما تموت الصفقة، بل تبقى في الذاكرة لتُستدعى عند الحاجة، محمّلة برمزية جديدة. صفقة بيع ألاسكا عام 1867 بين روسيا القيصرية والولايات المتحدة مقابل سبعة ملايين دولار لم تكن مجرد نقل ملكية أرض؛ كانت إعادة رسم لموازين القوة في الشمال البعيد. واليوم، يطل صانع الصفقات دونالد ترامب، ليقترح إعادة فتح هذه الصفحة في لقاء مع قيصر الاستخبارات فلاديمير بوتين، وكأن التاريخ يعرض نفسه للبيع مجددًا، لكن على جليد السياسة لا على جليد الطبيعة.
ألاسكا… إرث الصفقة الكبرى
صفقة ألاسكا كانت في زمنها مزيجًا من البراغماتية والحسابات الاستراتيجية، حيث تبادل النفوذ كان يتم بالذهب لا بالرصاص. اليوم، حين يستحضرها ترامب كمكان للقاء بوتين في ظل الحرب الأوكرانية، فإن الرسالة تتجاوز مجرد الموقع الجغرافي: هل هي دعوة لتسوية على طريقة “صفقات القرن”؟ أم إشارة إلى أن الجغرافيا، مهما ابتعدت، تظل أداة للتفاوض بين القوى العظمى؟
من مسرح الجليد إلى ساحة الحصار
في المقابل، وعلى مسرح آخر، يجري تنفيذ مخطط استيطاني في فلسطين لا يحتاج إلى ذهب ولا إلى عقود بيع رسمية. هنا، يطل سموتريتش، ليضع توقيعه على ما يمكن وصفه بـ”صفقة بلا فاتورة”. إذا كانت ألاسكا قد بيعت بثمن، فإن غزة تُحاصر بلا مقابل، والضفة تُقسّم بالجرافات. فما الفرق إذًا بين الصفقتين سوى طريقة الدفع؟
ازدواجية المعايير… القانون على مقاس الخريطة
في أوكرانيا، تُرفع شعارات السيادة ووحدة الأراضي، بينما في فلسطين تُختزل السيادة في خرائط جديدة على طاولة الاستيطان. أليست هذه هي ازدواجية المعايير في أوضح صورها؟ أم أن المعايير نفسها تُصاغ وفقًا لموقع الأرض في الخريطة ووزنها في موازين القوة؟
النرجسية السياسية… بين لغة العيون ولغة الخرائط
ترامب يراهن على لغة العيون، وبوتين يقرأ ما وراء النظرات، لكن الخرائط تُرسم في أماكن أخرى. هل يمكن للقاء على جليد ألاسكا أن يغيّر مسار حرب أوكرانيا، بينما الخرائط الفلسطينية يعاد تشكيلها بلا مفاوضات ولا عدسات إعلامية؟ أم أن المشهدين جزء من عرض واحد تُبدَّل فيه المنصة فقط؟
تساؤلات مفتوح
هل دعوة ترامب إلى ألاسكا هي محاولة لعقد “صفقة جيوسياسية” على حساب ساحات أخرى؟
هل الحصار في غزة والاستيطان في الضفة يمثلان الوجه الخفي لتوازنات تُبنى في أماكن بعيدة؟
إلى أي مدى يمكن قراءة المشهدين كجزأين من سياسة أمريكية واحدة، تبيع هنا وتمنح هناك؟
وإذا كان التاريخ يعيد نفسه، فمن الذي يشتري اليوم، ومن الذي يُباع؟
خاتمة: البيع بلا فاتورة
من جليد ألاسكا إلى حصار غزة، يبدو أن معادلة الجيوسياسة لم تتغير: الأرض سلعة، والموقع ورقة تفاوض، والثمن… ليس دائمًا نقدا . ففي الشمال، تُغلف الصفقة بأوراق رسمية، وفي الجنوب، تُنجز على أرض الواقع بتوقيع سموتريتش. وبينهما، تبقى الأسئلة معلقة: من يضع القلم الأخير على الخريطة، وأي خرائط ستبقى بعد أن يذوب الجليد؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر