بعد عطل ال(GPS)، هل ترغب في العودة لعام 1975؟فلاح المشعل

منبر العراق الحر :  *تحذير: ننصح بقراءته من هم بعمر 50 سنة فأكثر!
بعد تعطيل تطبيقات تحديد المواقع (GPS), يبقى إجراء واحد لكي نعود خمسين سنة إلى الوراء، وأعني به إيقاف شبكات الهاتف النقال والانترنيت!
الله شكد حلو! نعود خمسين سنة، زمن الأحلام والنشوة!
فكرة، أيقظت يوماً مختبئاً في الذاكرة من ذلك الزمان 1975، كانت أمي توقظني صباحا، وأبي يعطيني مصروفي اليومي قبل أن يذهب إلى دائرته!
كانت الحياة نقية كل شيء يمطر نقاء ومحبة وشهية للحياة نعيشها بعنفوان وثقة بالنفس، برغم وجودنا بالضفة الأخرى، وبداية حفظنا لدروس التمرد وثقافة الحرية والولع المتصاعد بأفكار ذاك الزمان، ماركسية، وجودية، علمانية، اليمين واليسار في الإسلام، بريشت والمسرح الحديث، هادي العلوي وتاريخ الإسلام السياسي، فراس السواح ومغامرة العقل الأولى، صباح فيروز والجريدة، وحكايات أبو گاطع، ومساء المقاهي والحوارات، و”يالهفت المايوصل هله، محطات” وقواعد الديالكتيك والحتمية التاريخية قبل أن تتواطأ ضدها الإمبريالية الجديدة (The new imperialism)!
حياة، بلا حروب، بلا طائفية، بلا فساد، بلا أمريكا وإيران، ونشّالة وقفاصة و(عتاكة) وسريرية وقتلة يتحكمون بالوطن وحياة الناس.
نعم تطورت الحياة في التقنيات، وأعطتنا تطبيقات جعلت الخيالي والأسطوري حقيقة معيشة، من هو بالشرق يرى ويتحدث مع الذي بالغرب عبر شاشة زرقاء أو بيضاء في جهاز صغير محمول باليد، كانوا يقولون تلك من علامات قيام الساعة! وإذا بنا نشاهد تحليق (الهليكوبتر) في سماء المريخ!
أعجوبة، بل عجائب صار كل شيء تقنيات وأزرار، وهذا الهاتف الجوال صار مكتبك الدائم، ويحتوي كل حياتنا!
لكن، ماذا كسبت أرواحنا وأحلامنا بعد أن قادوها أسيرة لسلطة التقنيات والفضاء الرقمي؟
تراجع الإنسان، وأصبح جزءا في منظومة العالم الرقمي، جزءا إجرائيا من ماكنة هيولية تتحكم بالعالم من واشنطن، وتهيمن على الكرة الأرضية!
أفعال الفرد تقلصت، فقدت الروح فاعليتها بالحنين، افتقرت قدرة الذهن على التأمل وإنتاج الحدس!
اضمحلت مساحات فعل الكائن الأقوى على الأرض كما عرّفته الحضارة القديمة! فقد خياله بسماواته اللامتناهية، كذلك كبرياؤه القديم، مات الشعر وقصص الخيال والثقافة، توقف النظر إلى القمر والنجوم لانتقاء جملة حب تقدمها لهدفك الروحي، صارت السماء تجمعا مشبوها لأقمار صناعية تجسسية وأخرى تدير العالم الرقمي، وباحزن “بنات نعش” بعد رحيل نجمة الصباح!
جفت ينابيع الروح وضفاف الوجدان، أماتوا الإنسان بعد أن قادونا للصحراء الرقمية!
تلك سردية طويلة يختلط فيها الحنين مع الوجوه القديمة وذكريات مقيمة بالروح، هواء بشذا النرجس وعطر الأضرحة المقدسة في خيال المحزونين!
متى نعود إلى عام 1975، ونسافر إلى شلالات بي خال وگلي علي بيك، كانت المياه صافية زرقاء والشلال يشبه لون الثلج، أنا بشوق عارم لذاك الزمان وأول الشباب، كان الأجمل في سنوات العمر!
متى يحكي المستحيل قصته، ويعيدنا خمسين سنة إلى الوراء، فقد تعبنا ومللنا من وجودنا الرقمي، والخلوي الذي يتجسس عليك أينما كنت!

اترك رد