*رئاسة الجمهورية بين الانقسام الكردي والحاجة الوطنية إلى الحسم* ….ناجي الغزي

منبر العراق الحر :….كاتب وسياسي….
في السياسة العراقية، لا تُقاس الاستحقاقات الكبرى بنصوص الدستور وحدها، بل تُحسم عند نقطة التقاء المصالح، وضغط الزمن، وتوازن القوى داخل النظام السياسي. ومن هذا المنظور، يتحول ملف رئاسة الجمهورية من كونه استحقاقاً بروتوكولياً إلى اختبار حقيقي لقدرة القوى السياسية على تقديم الاستقرار على الحسابات الحزبية الضيقة.
ما طرحه الأستاذ كفاح محمود، المستشار الإعلامي لرئيس إقليم كردستان، لا يمكن قراءته بوصفه توصيفاً إعلامياً محايداً فحسب، بل كإطار تحليلي يعكس إدراكاً لطبيعة اللحظة السياسية. فالسيناريوهات الأربعة المطروحة ليست متساوية الوزن، وبعضها بات عملياً خارج الخدمة بفعل الوقائع، فيما يتقدم أحدها لا لأنه الأمثل، بل لأنه الأكثر انسجاماً مع متطلبات المرحلة الوطنية.
تعطّل برلمان الإقليم أسقط خيار الحسم من أربيل، واستعصاء التوافق بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني أضعف فرص الاتفاق الثنائي، أما تفويض النواب الكرد داخل البرلمان الاتحادي، فليس سوى إعادة تدوير للخلاف نفسه داخل ساحة أوسع. وعندما تفشل الحلول “الكردية الخالصة”، يصبح الانتقال إلى الإطار الوطني أمراً شبه حتمي.
من هنا، يبرز السيناريو الرابع وهو، الذهاب إلى البرلمان الاتحادي وترك انتخاب رئيس الجمهورية لتصويت شامل تشارك فيه الكتل الشيعية والسنية والكردية. هذا المسار، وإن كان لا يرضي الطموحات الحزبية كافة، إلا أنه ينسجم مع منطق الدولة، ويمنع استمرار الفراغ، ويعيد الاعتبار لفكرة أن رئاسة الجمهورية موقع توازني وطني، لا ورقة ضغط فئوية.
في هذا السياق، تزداد حظوظ مرشح الاتحاد الوطني، الأستاذ المهندس نزار محمد سعيد آميدي ، لا لكونه مرشح حزب بعينه، بل لأنه يأتي في لحظة تبحث فيها بغداد عن رئيس “غير صدامي”، قادر على أداء الدور الدستوري بهدوء، وضمان استمرارية العملية السياسية دون فتح جبهات توتر جديدة. فالقوى الشيعية والسنية، التي ستصوت في هذا السيناريو، لا تنظر إلى الانتماء الحزبي بقدر ما تركز على معايير الاستقرار، والقدرة على التوازن، وعدم الانخراط في الاستقطاب الحاد.
في المقابل، يدرك الحزب الديمقراطي، كما يعبّر عن ذلك كفاح محمود، أن المشكلة ليست في خسارة المنصب بحد ذاته، بل في تكريس فكرة احتكاره من قبل حزب كردي واحد. غير أن الإصرار على منع الخصم، دون تقديم بديل قابل للحياة، قد يقود إلى نتيجة معاكسة، تمرير المرشح الآخر بدعم وطني واسع، مع تراجع القدرة على التأثير في شروط اللعبة السياسية.
الأحزاب الكبرى في بغداد لا تميل إلى الانحياز الحاد داخل الخلاف الكردي، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل بإدامة الشلل. وعندما يصبح الخيار بين رئيس توافقي يضمن الاستقرار، وبين فراغ سياسي يربك تشكيل الحكومة ويؤجل الاستحقاقات، فإن الكفة سترجح لصالح الحسم، حتى لو جاء على حساب التوازنات التقليدية داخل البيت الكردي.
ومن زاوية وطنية، يمكن القول إن الموافقة على نزار آميدي ليست انتصاراً لحزب الاتحاد الوطني بقدر ما هي استجابة لحاجة الدولة العراقية إلى إغلاق ملف معقّد بأقل كلفة سياسية. فهي خطوة تعيد ترتيب الأولويات، من صراع النفوذ إلى منطق الشراكة، ومن تعطيل الاستحقاقات إلى تثبيت الاستقرار.
ومن هنا تأتي الخلاصة حول هذه الرؤية: أن رئاسة الجمهورية، في هذه المرحلة، لن تُحسم بتوافق كردي كامل، بل بإرادة وطنية جامعة تفرض أمراً واقعاً جديداً. وفي هذا الأمر الواقع، يبدو أن مرشح الاتحاد الوطني الأستاذ نزار آميدي هو الأقرب لعبور بوابة البرلمان، لا لأنه الخيار المثالي للجميع، بل لأنه الخيار الممكن لدولة تبحث عن التوازن قبل أي شيء آخر.

اترك رد