منبر العراق الحر :….كاتب وسياسي…..
لم يعد قرار الحرب على إيران مسألة تفوّق عسكري بقدر ما أصبح سؤال كلفة تاريخية. ففي لحظة تتقاطع فيها الضغوط وتتباين المسارات، يقف الرئيس الأميركي ترامب عند مفترق بالغ الحساسية: بين استعراض قوة قد يفتح مواجهة شاملة لا يمكن ضبط مآلاتها، وبين تسوية سياسية تُقدَّم للرأي العام بوصفها إنجازاً ذكياً يجنّب الولايات المتحدة استنزافاً استراتيجياً طويلاً.
في هذا المشهد، تتحدث جنيف بلغة التفاوض، بينما يلوّح البنتاغون بلغة القوة. الحلفاء يضغطون بدافع الخوف والمصلحة، والخصوم يراكمون الردع وينتظرون الخطأ. هنا لا يُختبر ترامب كرئيس فقط، بل تُختبر قدرة الولايات المتحدة على إدارة تراجع نفوذها دون الانزلاق إلى حرب كبرى، حيث يصبح التراجع أحياناً قراراً محسوباً لا علامة ضعف.
ما جرى في جنيف يتجاوز البيانات الدبلوماسية. إنها جولة تفاوضية ناجحة بمعايير السياسة، حتى من دون حسم الملفات الأساسية. نجاحها الحقيقي يكمن في منع الانفجار، وتثبيت مسار التفاوض، ونقل الصراع من حافة الحرب إلى طاولة الحسابات التقنية.
أما استضافة سويسرا، فقد أعادت تثبيت دورها كأرض محايدة في الملفات الأكثر حساسية، في حين عكس شكر وزير الخارجية العُماني إدراكاً بأن المكان والوساطة كانا جزءاً من الحل، لا مجرد إطار شكلي للمفاوضات.
*مشهد جنيف: انتقال من الشروط القصوى إلى الهدف الأدنى*
ما يجري في جنيف يتجاوز كونه تفصيلاً تقنياً، إذ يشكّل مؤشراً واضحاً على تحوّل سياسي في مسار التفاوض. فطبيعة التمثيل الأميركي والإيراني تعكس انتقالاً من مرحلة الاشتراطات القصوى إلى تقليص سقف المطالب. بعد أن كانت واشنطن تطرح سلّة واسعة تشمل الصواريخ، والتخصيب، والنفوذ الإقليمي، بات الهدف محصوراً بمنع امتلاك السلاح النووي.
يمكن ضبط هذا الهدف عبر آليات رقابية دولية من خلال استعادة دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من دون المساس بالبنية الاستراتيجية الإيرانية. لذلك لا يُفهم هذا التحوّل كمناورة لغوية، بل كإقرار ضمني بمحدودية خيار القوة، وبأن الضربة العسكرية لم تعد أداة حسم بل مقامرة عالية الكلفة.
في هذا السياق، يبرز الدور العُماني بوصفه عاملاً حاسماً في إدارة المسار التفاوضي. فالإعلان عن إحراز تقدم كبير، مقروناً بتحديد جولة فنية في فيينا وأخرى سياسية لاحقة، يدل على نجاح الوساطة في منع الانسداد. كما أن إعادة الملف إلى مساره النووي التقني الرقابي تمثّل بحد ذاتها انتصاراً لمنطق التفاوض على حساب التصعيد العسكري.
*الحشد العسكري: ضغط بلا قرار*
تبدو الحشود الأميركية في المنطقة، من حاملات الطائرات إلى الانتشار الجوي المكثف، أقرب إلى أدوات ضغط تفاوضي منها إلى تمهيد فعلي لحرب وشيكة. والسبب الجوهري هو غياب ما يُسمّى بضمانة “الضربة الخاطفة”. فأي عملية عسكرية لا تنهي الصراع سريعاً ستتحول تلقائياً إلى استنزاف متعدد الجبهات، قواعد عسكرية، ومسارح بحرية، ومضائق استراتيجية، وهو سيناريو لا يرغب البيت الأبيض في خوضه خلال سنة سياسية شديدة الحساسية داخلياً.
في المقابل، تعكس تصريحات وزير الخارجية الإيراني ثلاث رسائل محسوبة بدقة. الأولى هي الجدية القصوى، حين وُصفت الجولة بأنها “الأطول والأكثر جدية”. الثانية أن الخطوط الحمراء واضحة، إذ عُرضت المطالب الإيرانية بصراحة ومن دون مواربة. أما الثالثة، فهي أن التقدم مشروط، اتفاقات جزئية مقابل خلافات قائمة، لا حسم نهائياً ولا تنازلات مجانية.
بهذا المعنى، تقول إيران بوضوح إنها باقية في مسار التفاوض، لكنها لن تدفع ثمنه من موقع ضعف. إنها مفاوضات تُدار من موقع ثقة لا من موقع ضغط، ومن إدراك بأن البديل عن التسوية غير المضمونة هو مواجهة لا تملك واشنطن ترف خوضها، ولا تملك ضمانة الخروج منها سريعاً.
*معضلة القواعد الإقليمية: والقيود الصلبة*
الإشارات القادمة من عواصم الإقليم رفض استخدام القواعد في أي هجوم قلبت الحسابات. تحويل الثقل إلى منصات بحرية ومطارات أوروبية يوسّع مسرح الاشتباك ويرفع كلفته السياسية والعسكرية. الأخطر أن هذا التوسّع ينقل الرد المحتمل خارج “الهامش الآمن”، ما يهدد بتدويل النزاع بدل احتوائه.
هناك تقارير الصحافة الأميركية منها صحيفة Politico تتحدث عن قيدين حاسمين: ذخائر نافذة زمنية قصيرة لا تحتمل حرباً ممتدة. وخسائر بشرية، احتمال مرتفع يضرب صورة “القائد الحاسم” ويؤذي حسابات الداخل. أما سيناريو “قطع الرأس” فقد تآكلت جدواه، إذ تشير صحيفة The New York Times إلى استعدادات إيرانية لاستمرارية القيادة، ما يعني أن الضربة قد تُطلق حرباً ولا تُنهي نظاماً.
والأهم في ذلك هو إعلان إيران الانتقال من الرد الرمزي إلى الرد الشامل، قواعد، وبحر، ومضائق. هذا الإعلان يغيّر ميزان المخاطرة. حين يصبح الرد مُعلناً ومُتعدّد الساحات، تفقد الضربة الأميركية ميزة التحكم بالتصعيد.
*الضغط الإسرائيلي: وبروباغندا الاستباق*
تمارس إسرائيل ضغطاً منظماً لدفع واشنطن نحو خيار القوة، ليس عبر الوقائع الميدانية بقدر ما عبر إعادة صياغة السردية. فخطاب الضربة الوقائية لا يُطرح كخيار عسكري فحسب، بل كحتمية أخلاقية وأمنية، يجري توسيعها عمداً من النووي إلى التلويح بتهديدات كيميائية وبيولوجية، بهدف رفع مستوى الخطر في الوعي السياسي الأميركي.
هذا الخطاب لا يستهدف طهران بقدر ما يخاطب الرأي العام وصانع القرار في الولايات المتحدة، عبر تصوير الحرب على أنها ضرورة ردعية تتجاوز الشرق الأوسط، ورسالة استراتيجية موجّهة إلى الصين وروسيا معاً. غير أن هذا التوسيع في منطق التهديد لا يخفّف الكلفة، بل يضاعفها، إذ يحوّل أي مواجهة محتملة إلى صراع ذي أبعاد دولية مفتوحة.
وبدلاً من تسهيل قرار الضربة، يجعل هذا النهج القرار أثقل على ترامب، لأن الحرب حين تُسوَّق كاختبار للهيمنة الأميركية، تصبح نتائجها الفاشلة أو غير الحاسمة نكسة استراتيجية كبرى، لا مجرّد مغامرة إقليمية محدودة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر