*انطباع مُقارب حول المسلسل المشرقي “الخائن” و رواية “آنا كارينيا” لِتُولستويْ…

منبر العراق الحر :**-*-تحرير انطباعي و ترجمة بقلم: لخضر خلفاوي*…

-قبل 150 سنة من كتابة هذا الانطباع ولد عملا روائيا يحمل عنوان بطلته المثيرة للجدل الأخلاقي: “آنا (كارنين) كارنينا / Anna Karénine/ أو بالروسيةAnna Karenina”، و إنّهُ لعمل روائي للكاتب الروسي الشهير “ليون تولستويLéon Tolstoï “، نُشرت الرواية لأول مرة عام 1877 متسلسلة على حلقات في صحيفة “الرسول Messager” الروسية. يُعتبر العمل حسب النقد الثقافي الأدبي -الغربي- من روائع الأدب. يُقارن بالتضاد السّردي الكاتب “تولستوي” بين العلاقة الزوجية السعيدة الهادئة المبنية على الشرف و النزاهة و الصدق بين “ليفين وكيتي شيرباتسكي Lévine et Kitty وبين العلاقة الضد التي تنشطها الإهانات و الخيانات والنكسات و الصدمات و الخيبات التي تُصاحب هذه العلاقة المحرمة بين أليكسي فرونسكي وآنا كارنيناAlexis Vronski et Anna Karénine؛ حتى أن المسودات الأولى من هذا العمل حملت عنوان “زواجان و زوجان”.
من سرديات الرواية التولستوية “آنا كارينينا” أن تقول شخصية من شخصيات العمل و هي “ليفين” و الممثلة حسب السّارد للزواج المتزن و خالٍ من صخب الخيانات و اللااستقرار : “إذا لم أقبل التفسيرات التي تقدمها لي المسيحية بشأن مشكلة وجودي، فَأنّى سأجد الجواب الشافي في غيرها؟ (…) وماذا عن العبرانيين والمسلمين والبوذيين؟ (…) هل سيُحرم هؤلاء الملايين من أعظم النعم، تلك التي وحدها تُعطي معنى للحياة؟”.
لكن كما نعرف و عهدنا آدم و ذريته أنه يظل ميّالا إلى الفساد و يبغيها عِوَجاً و لا يريدُ في الحياة الدنيا إصلاحا. فالنفس أمّارة على مدار السّاعة بالفسوق و العصيان.. و يعتبر الدّين الإسلامي ديناً مطهّرا و مرقِّيا رافعاً للإنسان.. فتعاليمه تحولُ بين مرتبة الإنسان و درجة الحيوانية التي تسوقه النفس إليها لإشباع نزواته.. فلماذا يا ترى رغم وجود هذا الدّين القويم إلا أنّ كثيرا من أبناء و بنات محمّد يجدون راحتهم في سُبل الإلحاد و الجدل و الانشطار السلوكي و الانسياق وراء الفسوق للخروج عن قيم هذه الأمة الوَسَطَى التي ذكرت على لسان شخصية “ليفين” في عمل ليون تولستوي؟ و لماذا يستفحل الفكر اليساري على كل مناحي الحياة في الأمة الإسلامية و استمرار اللغط التحرّري و تنمير الدّين بالرغم أن الفكر الانحرافي الليبيرالي هو الذي يحدد كل وجهات و مسارات الأفراد في مجتمعاتنا و صار الفكر و الفعل الإصلاحي منبوذين و غير مرغوب العمل به؟
-/“إنّ أولى أو أصغر الخيانات أن ينشرح صدر الأنثى المرتبطة للغريب و تخضع له في القول في غياب الشريك الشرعي؛ و على الذَّكَرِ مثل ذلك.. في الحقيقة لا توجد خيانة صغيرة و خيانة كبيرة، فالصغيرة هي مصْعد و استدراج لبلوغ الكبيرة! (ل.خ)”./
“La toute première ou la plus petite des trahisons est celle d’une femme en liaison qui -parallèlement- ouvre son cœur à un étranger et se soumet à lui verbalement, à l’insu de son partenaire légitime ; et la même chose s’applique à un homme !
En réalité, il n’existe pas de petite trahison ni de grande trahison, car la petite n’est qu’un tremplin et un appât pour atteindre la grande !(L.K)”
-يقول “تولستوي” عن هذا الدين و نبيه و هو كاتب هذه الرواية:”ليس عندي شكّ أن النبي محمد كان من -أعظم المصلحين- الذين قدموا خدماتا جليلة للبشرية. يكفي القول إنه هدى أمة بأكملها إلى -نور الحق-، وقادهم إلى تبني مبادئ حياة الطمأنينة والسلام، واختار حياة الزهد، ونهى عن سفك الدماء والتضحية بالبشر، وأرشدهم إلى طريق التقدم والحضارة. هذا إنجاز عظيم لا يُحقق إلا بوجود شخص فذّ و اسثنائي. مثل هذا الرجل جدير بالاحترام والتكريم”.
الشخصية الرئيسية للعمل “كارينينا-آنا أركاديفناArcadievna”: تعكس هذه الشخصية في عمل تولستوي” و هو تجسيد صارخ و صاخب للخطيئة في معظم أحداث الرواية، *النموذج المتّبع لا يبتعد كثيرا عن مثل “امرأة العزيز” و مثيلاتها، أي عندما تطفو الطبيعة الثانية للمرأة كما يرى بعض المفكرين، أي الخيانة (التي تنساق وراء هواها بدلا من اتباع العقل)، فهي امرأة ملحدة تكره زوجها لكرمه و تسامحه(و لو كان جلدا، فضّاً و غليظ القلب لكرهته و خانته كذلك!). وافقت على العيش مع فرونسكي دون أن تطلب الطلاق من زوجها، رغم أنه كان متقبّل وجوده في حياة زوجته حسب نسق السّرد !. ومع ذلك، يتطور تصوير تولستوي لها من خلال رحلته السّردية في العمل، تلاعبا بنفسية القارئ لإرباكه أكثر و -يبدو-و كأنّه يريد الترافع عن الخطيئة و تزينها لقارئه مثل ما فعل دائما الماركيز تماما مع غانياته الحزينات و السعيدات؛ إذ يجعلها أيضًا بإرادة فنّية مقصودة سرديا -رمزًا للحرية والحداثة- (و هي منطلقات ايديولوجية التي تفجّر منها تاريخيا فكر النسوية و الليبيرالية الأخلاقية و اعتبار البغاء الأخلاقي حرية شخصية!) ، خاصةً عندما تنضم إليها أخت زوجها وصديقتها دوللي Dolly، التي تُعجب بخيارات آنا البغائية.
-يقول المثل الجزائري المغاربي في مختلف صيغه :” ‫كيد النساء كيدين**من كيدهمْ جيتْ هاربْ يتحزّْمُو باللفاعْ**ويتخلّلو بالعقاربْ “/ و في رواية أخرى:”‬كيد النسا كيدينْ ومن كيدهمْ جيتْ هاربْ/ يتحزمو بالحْنُوشاَ(الثعابينْ) ويخافو من العقاربْ/.”
-آنا كارنينا هي انعكاس لشخصية شابة متزوجة من “أليكسي كارينين”، في البدء تبدو مخلصة لزوجها إلى حدّ ما قبل أن تتحرّك فيها -نزعة- أو “شهوة الخيانة”، و هي أمّ لطفل صغير يُدعى Serioja سيريوجا. لمّا تتوارى “آنا كارنينا” عند أوّل فرصة سانحة عن أنظار و رقابة زوجها و المجتمع و تسافر إلى موسكو بحجة زيارة شقيقها هناك “ستيفا أوبلونسكيStiva Oblonski”. و عند نزولها من عربة القطار تلتقي الأنظار و النظرات بالكونت فرونسكي Vronski. -شهوة الخيانة- القابعة في نفسها مذ بدء تنشئتها توهم “آنا” و تلهم نفسها فجورها على أنّها واقعة في حب الكونت فرونسكي، ذلك الضابط اللامع و الطائش، الميّال للصعلكة و العربدة. شيء ما قد يشبه بقايا الوازع الأخلاقي -أو ما تبقى- من الضمير الحي فيها يجعل “كارينينا” (و ليس طويلا!) تكافح و تصدّ شغف الفسوق و مراودات شهوة الخيانة الجامحة ، إلاّ أنّ في النهاية تستسلم لِنزعتها و لِمُتَعِها المحرمة، و هنا تحضرني كالغالب عبارة “غابو” الماركيز في رواية “شيء من الحب و شياطين أخرىDe l’amour et autres démons” ؛ (أنّ الفسوق و الكفر هما أكثر مقاومة من الإيمان)/ ” .. إذن تستسلم و -تنجرف- “آنا” للتيار الذي يجذبها و إلى هذا الضابط الشاب، و منه تفضي شهوة ممارسة الرذيلة إلى وقوع حمل نتاج علاقة في الحرام .
-تشعر “آنا” بالذنب والاكتئاب الشديدين بسبب فجورها، فتقرر الاعتراف بخيانتها لزوجها. تفكر للحظات في ترك زوجها وطفلها والهرب مع عشيقها، إلا أنّ تلقّيها لرسالة من زوجها -الذي أبدى صفة الديوث الراضي، في قالب التفهّم و الانفتاح-، و الذي كان مسافرًا، فكان الرسالة ردًا على اعترافها، بل كان يطلب منها في كتابه فقط أن تحافظ على مظهرها، و يقنعها بالبقاء. كان الحمل صعبًا خصوصا بعد ولادة ابنتها (اللاشرعية)، فتُصاب آنا بحمى شديدة كادت أن تودي بحياتها . في تصرّف غير متوقّع كسلوكها تُرسل “آنا” برقية إلى زوجها، حيث تستجديه طالبة منه العودة إليها ومسامحتها على بغائها و خيانتها. تتوب أو -تتظاهر بالتوبة- فتتمنّى لنفسها الموت خلاصًا لروحها المدنّسة و خلاصا للجميع أيضا المتأمرون بسلوكها الداعر. يتأثر استعطافاً الزوج الديوث المتسامح “أليكسي” بندم زوليخته “آنا كارينينا” نظرا حسب اعتقاده بقرب أجلها، فيوافق على مسامحتها. إلا أنّ بعد ذلك، وبعد فترة، تكفي الخلوة و يكفي اللقاء غير المتوقع مع فرونسكي لتحطيم عزيمة آنا و تعود إلى طبعها و نزعتها و سيرتها الأولى المُشبّعة بشهوة أو لعبة الخيانة لترمي بنفسها الفاجرة بين ذراعيه مجددا، يزداد تورطهما شائكية فيقرران الفرار معًا إلى الخارج، خارج الأمكنة و الفضاءات و البيئة المعتادة و الأعين الواعظة و الرقيبة. فبالنسبة لآنا كارينينا، كانت تلك هي لحظة فرح وتحرر و انتصار الرذيلة على الفضيلة و الأعراف !. يقضيان شهر المعصية -المُعسّّلْ- بأماني النفس و الشيطان في إيطاليا. شيئًا فشيئًا، يشعر العربيد الصعلوك و شريك الخيانة “فرونسكي” بالملل ويندم على تركه و تضحيته بمسيرته المهنية العسكرية و مراتبه السابقة. عند عودتهما إلى روسيا، كان آنا وفرونسكي يعيشان على هامش المجتمع. يثيران الإعجاب والاستنكار في آنٍ واحد لتحديهما تقاليد و أعراف المجتمع الراقي الروسي. تسمح ثروة فرونسكي لهما بعيش حياة مستقلة، فينجحان في إعادة بناء مجتمع صغير(مجموعة) أو نادي خاص حولهما، بمعزل عن رقابة قيم العالم الخارجي. إلا أنّ “آنا كارينينا” ككل البغايا و الخائنات يقعن في فخ نتائج الخيارات السيئة من اضطرابات لا حصر لها مشاعريا و نفسيا، فكانت تؤرقها فكرة تركها لطفلها و لا تستطيع تحمل تداعيات خيانتها لزوجها. هذا الجو الخانق يولد سوء فهم للوجود و للحياة يُلقي بظلاله على حالتها الضالة. “آنا كارينينا”، التي تعاني من آلام شديدة تودي بنفسها إلى الوقوع في دوامةٍ نفسية لا مفرّ منها، لينتهي بها المطاف أن قفّت حياتها بإلقاء نفسها على السكّة الحديدية تحت قطار عابر!. توازيا مع قصتها الدرامية ، يرسم “ليون تولستوي” صورةً لزوجين آخرين متضادّين سلوكيا و هما : كيتي وليفين Kitty et Lévine، وداريا Daria (المعروفة باسم دولي في الرواية) وأوبلونسكي.
– تذكير للقارئ تعدُّ “كيتي شابةٌ جميلةٌ، في الثامنة عشرة من عمرها، تخطو أولى خطواتها في المجتمع الراقي. يتقدّم ليفين لخطبتها رسميًا، لكنها ترفضه لأنها وقعت في غرام فرونسكي. يهرب منها في حفلٍ راقصٍ حيث يستسلم لسحر “آنا كارينينا”. تغرق كيتي في الخزي والمرض، فتسعى للعلاج بالسفر إلى ألمانيا. بعد عدة أشهر من ذلك الحفل الكارثي، تلتقي كيتي بليفين مجددًا، وتختبر معه مزيجًا من الخوف والسعادة معاً. تدرك أنها لم تحب أحدًا سواه. فيُفهم أن “كيتي وليفين” على أن الماضي لم يكن إلا اختباراً لتقوية حبهما، فيقرران الزواج. فيبدأ ليفين بدراسة علم الزراعة، ويثير دهشة فلاحيه، إذ يعمل في حقوله لإصلاح إدارة ممتلكاته ومنح مزارعيه المزيد من الحقوق. أما “داريا”، الزوجة الخاضعة والمستسلمة، والتي أنهكتها أعباء الحياة اليومية، فهي متزوجة من “ستيفا أوبلونسكي”. ورغم خيانته، يُغدق أوبلونسكي على زوجته مظاهر الحنان. تعاني “داريا” من شكوك متلازمة و دائمة، فتستشير آنا و تلجأ إليها لإنقاذ زواجها(….)
*
على كلّ فإن -قصة- رواية “آنا كارينينا” الشهيرة الصادرة مذ قرن و نصف تزخر بتدفّق كبير في مجمل تفاصيلها بالخيانات و الطعنات الشرسة و حالات إرباك مشاعرية و عدم استقرار و عدم ثبات التفاعلات العاطفية بين كل شخوص العمل “التولْستويي”، و لم أكن لأتناول مُقدّما و ملخّصها للقارئ العربي هذا المنجز لو لم تشدني ملاحظاتي الدقيقة و أنا أشاهد بالصدفة عرض بدايات المسلسل السوري اللبناني (٢٠٢٣) تناول بطلة العمل “سلافة معمار” في دور -أسيل-، لرواية من تأليف “تولستوي”، و قلت في خُلدي وقتها عسى ألا يتم الاتكاء من قبل كُتّاب النص و السيناريو على فكرة الخيانة التولستوية -اتكاءًا حميريا-، تأبيريا لفكرة الخيانة ليتسنّى تنمير(الذّكر) أو الرجل في لهجة قوية و في قالب “هجمة نسوية شرسة عمياء”
-ما لم يغب عن ملاحظاتي أنّ هذا المسلسل يُعدّ من انتاجات و أنشطة الشق النقيض و الفاسق للتيار الوهّابي ألا و هو مجمع/ مركز تلفزيون الشرق الأوسط (إم-بي-سي Mbc) السعودي بالشراكة مع “ميد للإنتاج ” التركية.
-و أصدقكم القول و أنا الذي لم يكن في بيئة تستهلك هكذا حماقات سينمائية أو تلفزيونية عربية (مشرقية تحديدا)، فإنه بمجرّد مشاهدتي للحلقات الأولى و قبل أن اطلع على البطاقة الفنية لفريق المسلسل تكهنت أن هذا العمل بالتأكيد عن -جدارة المكر- هو نتاج عمل نسوي نضالي خالص توجيهي للفكر الليبيرالي اليساري المنحط. و بالفعل عند تصفحي المعلومات التقنية للمسلسل اتضح بالفعل أن من كتب القصة و السيناريو هن “نسويات”، فالتأليف يعود لِ”عبير الصياح” و تعاونا على إعداد السيناريو كلّ من “لبنى مشلح” و “مي حايك”. -المسلسل المهزلة/ الكارثة fiasco متكوّن من حوالي 90 حلقة مزهقة للوقت و مدة كل حلقة حوالي ساعة (60 دقيقة)؛ معناه المتابعون لأمثالي لكلّ حلقة لهذه الحماقات و الترهات و العبثيات لمحاولة فكّ شيفرة رسالة -العمل غير الصالح- تُعدّ أبدية من التعذيب الفكري و العقلي لما يحتويه سيناريو هذه السلسلة من حماقة في أوجّ صورها، و ذلك لسوريالية فوضوية و شراسة و قبح فكر كُتّاب هذا العمل!
-إلى غاية نهاية المسلسل لم استطع فهم عنوان المسلسل التوجيهي للضحك على الأرواح الشاغرة و العقول المُسطّحة.. فالمشاهد العاقل لهذا العمل “الذي صّنف في مجال الدراما”، سيصاب بإحباط شديد و إهانة موجهة من قبل فكر نسوي خاوٍ على أفكاره و لا يرى العدوّ إلا في الرجل ، مع تكثيف و قصف لأدوات مشاهدية تحاول اغتصاب عقل المشاهد و تأخذه بالعنف من يده لإجباره على الاعتراف بالإكراه بأنّ “الخائن” في القصة كلها و سبب كل تلك التداعيات و المأساة هو الرجل الممثل من قبل “قيس شيخ نجيب” في دور “سيف”.. تذّكّرني شخصية هذا الأخير بشخصية زوج “آنا كارينيا” الملقّب في الرواية التولستوية بِ”أليكسي Alexis “. لو كان عنوان المسلسل “نادي الخونة” لكان أفضلا و منطقيا من إلباس التهمة الحصرية لبطل السلسلة ال “سيف” هذا !. نساء أو حريم هذا المسلسل امتثالا و وفاءاً لإيديولوجيا النصّ و السيناريو حاولن كما الشيطان تماما تبرير كل المعاصي و الرذائل و زيّنها للمشاهد و أنّ كل ما بدَرَ منهنّ هو -ردّة أفعال- لسلوك الرجل اللامستقر! و أنّه استوجب العقاب من خلال ذلك تنفيذ حكم (العين بالعين و البادئ أظلم!)..
-ليست كل المسائل و الخلافات أن تُطبق فيها مبادئ (السّن بالسّن… و الجروح قصاص!)، فلو طبقنا هذه القاعدة لتحوّل العالم العربي خصوصا و باقي المناطق الأخرى إلى مجتمعات ماخورية بغائية تتنفس سفاحاً و فجورا. على المرأة التي كانت وفية و خِينت من قبل بعلها أن تثبت لخائنها أنّها أطهر منه و أعفّ منه لا أن يجعلها تصرّفه تستخدم (الرذيلة للانتقام)، فإن فعلت فهي ليست بِأعزّ مقاما من البادئ بالعدوان على حدود الله! عذرًا لأنّي قلت -حدود الله!- و المجتمع الذي صوّره مسلسل “الخائن” بنسائه و حريمه و ذُكرانه يعرف كل شيء و يجيد كثيرا من الأمور إلا أنّه في منأى كبير أو تضاد إن صحّ التعبير مع مصطلح من مصطلحات الفقه العربي الإسلامي، و المسيحي و اليهودي و هي “حدود الله!”.. -فالأخلاق هي نفسها و متقاربة في كل الملل و المعتقدات، فلم أقف في هذا المسلسل على أخلاق يهودية و لا مسيحية و لا إسلامية. وإنّما ذكر (إن شاء الله، منشان الله) في خطابات الممثلين لا صلة له باعتقادهم أو إيمانهم في إطار هذا المسلسل ، بل هي مفردات عرفية لهجاتية لغوية تلقائية .. البيئة المصوّرة في هذا المسلسل تبدو (لادينية تماما)؛ خمر و نبيذ و مخادنة، و مصاحبة و سكر و رقص و فسق و زنا و -جنس بين الأصدقاء Sex Friends و حتى بين الجيران!-كما هو شائع على منصات التواصل الافتراضي في مجتمعنا ! إنها وضعية لاأخلاقية قلّما أجدها بهذه البساطة التنفيذية في المسلسلات الغربية حتّى ! مسلسل “الخائن”، أو (نادي الخونة و الفسّاق) أو في هذه الفوضى المتسلسلة التليفزيونية السوريالية، السورية اللبنانية، إذ يصف شواذ المجتمع المشرقي الحقيقيون.. لا يكاد أن يكون إلا عملا فوضويا للسلوك المُعربد اللاأخلاقي تبنته “شخصيات” تعتبر نفسها نخبة المجتمع السوري -اللبناني، تعيش على وهم مجون الحضارة الأمريكية الغربية(التي تعتبره تقدما و تحررا و تفتحا!)، تنتقل بين باريس و لندن و أمريكا،و نسلهم لا يختلط تعليميا بنسل العامة حيث خُصّصت له مدارسا غربية أمريكية خاصة.. زمرة -الذّوات/الزّوات) كما يحلو لِ”سامر” نعتهم في المسلسل و هي -زمرة فُسّاق متعالون-يعيشون بتوازٍ تام مع الطبقات العادية و الكادحة البسيطة و المتنوعة المذاهب في المجتمع.
-بعهر فكري و إيديولوجي كبيرين حاولت كاتبات العمل من قصة و سيناريو توجيه رأي -المشاهد العربي الغبي و السطحي- إلى مضمار الإقناع و التبرير بأن الدكتورة “أسيل” المرأة المكافحة و المثقفة و المنفتحة -قبل استئذابها- ما هي إلا ضحيّة مُطلقة لخيانة زوجها “سيف”، و كل ما نتج منها و بدَرَ من سلوك مكائدي و -شيطاني و أكثر- يُعدّ نتاج تصرّف الرجل الخائن. كلاّ! لا ينتقم من الفسق و الخيانة و الرذيلة بالفسق و الرذيلة و المكر السيئ، فالأنفس العفيفة في أصولها و راقية الخلق لا تجرّها بسهولة سلوكيات الأشخاص الساقطة بل تقتص من ظالميها بطرق نظيفة و راقية لتلقين الدروس بألق دون أن تسقط في أرضية الخيانة و الألاعيب و التضليل الماكر! فمخطئ من يعتقد أن جميع الأواني متشابهة، فَ “كل إناء بما فيه ينضح”. نرى بطل السلسلة “سيف” في كل أحداث العمل (الإيديولوجي أكثر منه درامي! ) يقع في فخاخ و مكائد عدة لمجتمع نسوي ساقط أخلاقيا؛ من حماته و طليقته و زوجته الثانية “تيا”.. الدكتورة جُمانة مثلا التي تدعي صداقته و التي توهمه على دوام التجربة بأنها صديقة وفية نصوحا لكنّها تستعمل -ازدواجيتها السلوكية -هي أيضا و طبيعتها (الثانية) و هي الخيانة و تطعنه مرارا بانضمامها إلى خطط و مكائد تضليلية و كواليس مدبّرة تنسجها بكل إرادة مُبيتة محكمة صديقتها الحميمة “أسيل” و بكامل تفاصيل (ألاعيب النّساء) لتأديب و عقاب (الذكر) المُذنب “سيف” و دفعه لثمن خدش غرور و نرجسيات الدكتورة أسيل التي لا تفرّق بين النرجسية أو الغرور المرضي و الكرامة!. في هذا المسلسل المنحط في جميع نواحيه يبدو “سيف” للمشاهد العاقل بأن رجل وقع في عشّ أو وكر أفاعي ناعمة، سامّة و قاتلة في ذات الوقت، و اللدغات تأتيه من كل جانب! و لأنّ كلّ من النّص و السيناريو حُبِكاَ بطريقة سوريالية مرضية غير منطقية و لا حتى واقعية -رغم تفشّي ظاهرة الخيانات بين الطرفين في مجتمعنا العربي- كانت نتائج (المشاهد) المخرجة و التصويرية لأحداث حلقات هذا المسلسل تشيِ بأنّ كل أبطال هذا المسلسل يُعانون من أمراض و عقد نفسية مزمنة و اختلالات عقلية ذهنية واضحة للعيان!. الزوج الوحيد الذي لا يبدو مختلاّ نفسيا و أكثر اتزانا و أقلّ فسوقا أخلاقيا مقارنة بنادي (الأبالسة) هو “سامر” و رفيقته. كأنّ هذا المسلسل الصاخب بالإعوجاج و الوقاحات يحكي حكايات شخصية لمرضى ذهنياً في إطار موضا “التلفزة الواقعية” التي ظهرت في بداية هذا القرن حيث صُوّرت وقائعه في مصحّة من مصحّات إسطنبول العقلية!.. لا أفهم في هذا المسلسل المنطوق بلسان هجين (سوري، لبناني، إنجليزي، و حتى بعض اللكنات الفرنسية) و المصوّر في تركيا و أحياء إسطنبول أَكانَ يحكي قصة (لُبنا-سورية) في بيئة تركية مئة بالمئة أو هي قصّة تركية نُفّذت بلسان مشرقي أي سوري لبناني؟ طيبّ ماذا يفعل العلم أو(الراية)اللبنانية و سيارات الإسعاف و مخافر الشرطة في إسطنبول؟ إذا كنّا نحترم عقل المشاهد أليس من الجدّ و الاحترافية أن يلتزم المُنتج لهكذا أعمال (فارغة و ساقطة أخلاقيا) بشيء من المنطق و المصداقية حتّى أن هذا المُسلسل هو “محاكمة” للرجل حيث كان لِ”أسيل” دور المشتكي و الضحية و في ذات الوقت تأخذ دور “القاضية و منفذة الأحكام” بمساعدة مستشاراتها المقرّبات من النساء.. و حتى لا يفهم من خلال تلك الفضاءات و الأماكن التصويرية أن لُبنان هي -افتراضا- تركيا؟! فهذا هو فشل تبييئي فظيع و فصام سلوكي ! أهي عقدة الفساد و الدمار و الخراب التي تتالت في الشام و ما تبعها من مآسي إنسانية من حروب ظالمة و تطاحن ، جعلت النخب السورية و اللبنانية في المجال الثقافي و السينمائي تتبنّى في هذه الألفية وطنا غير وطنها بسبب -تشييعهم- لأوطانهم الأصلية؟ والله أردتها في الجملة كتابةً (-تضييعهم-)؛ إلا أنّ هاتفي الحشري و الذكي الباريسي أرادها آلياً -تشييعهم!-.
-فشل المسلسل فشلا ذريعاً في تسويقه للنسوية بل زاد الطين بلّة، لأن هكذا عمل شوّه بشكل صريح و قبيح و ووقح صورة المرأة المثقفة المتحررة و لا اعتقد -رغم تفشي الفساد في مجتمعاتنا-؛ أن هكذا شواذ من المجتمع يمثلون الواقع العربي. عن نفسي و رأيي الشخصي لم أرَ و لو في مشهد واحد بطلة مُسلسل “الخائن” “أسيل” كضحية، و لا حتّى كإنسانة! العجب أنّي كنت في بمخيال المتلقّي أراها في كل حركاتها و سكناتها و إيماءاتها و هي تتحرّك ببطء في شكل “أفعى الكُوبرا Cobra ” المترصّد و الخطير!
-سيف البطل لهذه الكارثة التليفزيونية المتسلسلة و الذي فقد كل شيء بسبب انشطاراته و ارتباطه عاطفيا بأفعتين ماكرتين و أوليائهن؛ فعلى عكس آراء المشاهدين المتعاطفة على منصات عدة أنه كان لا يستحق كل هذا الجزاء و المكر، فأرى -من خلال هذا السيناريو- أنه يستحق أكثر و أكثر؛ فهو يستحقّ الجلد حتى آخر أيامه على ما سعى إليه من سوء التدبير، لأنه انفقدت فيه صلابة الرجال و حكمتهم، و لم يمثّل سوى دور (الذكر اليساري، الحداثي، المتمدّن، المترخْوِن، الديوث، الضعيف!)، غيّب عقله فخسر كل شيء، كان عليه أن يترفّع عن كل شيء، و يبيع كل شخص و يربح كرامته و نفسه! الشخصية رغم ما وصلت إليه المجتمعات العربية “القحشريفة” من تفسّخ و انسلاخ ؛ لا يمكن أن تمثّل شخصية الرجل أو الذّكر العربي في الشام و لبنان و باقي مناطق الوطن العربي؛ لكن (رغم فشل المسلسل الاستفزازي) فهذا ما يصبو إليه دائما الفكر الليبيرالي اليساري المتكئ على النضال النسوي!.
من خلال أُغنية تقول شخصية “ليندي Lyndy ” في فيلم أمريكي بعنوان “جولت/ الصدمة/ Choc/ Jolt”:”أنا لستُ بحاجة إلى رجل.. أنا فقط بحاجة إلى طلاء أظافر”.
-بغض النظر عن الفوضى الأخلاقية و مسارح الخيانة في العملين، فإنه لا يمكن أن يتساوى من حيث الحبكة فنّيا عمل تولستوي في “آنا كارينيا” مع الإسهال القبيح، العمل الاستغبائي و الرديء الذي أنتجه فريق مسلسل “الخائن” السوري-لبناني -التركي!. فشل على كل المستويات.
-Une critique comparée de la série télé orientale « Le Traître » et du roman de Tolstoï « Anna Karénie ».

—مارس 2026
**تنبيه: هذا المخطوط، لم يتمّ -تدقيقه- لغويا بصفة نهائية.
*© كل التعابير و المصطلحات الغريبة عن المعجم العربي الكلاسيكي هي مصطلحات خاصة بمعجم الكاتب الخاص(ل.خ)، يجب ذكر مصدرها أثناء استعمالها احتراما للملكية الفكرية.
**-(ل.خ) (L.K)
*لخضر خلفاوي، أديب، مفكّر، مترجم، إعلامي و فنان تشكيلي (جزائري-فرنسي)
*Lakhdar Khelfaoui, écrivain, penseur, traducteur, journaliste et artiste peintre (Franco-algérien).

اترك رد