ترامب …عندما يُستهدف المواطن إنذار الكهرباء…و ردّ هرمز…والطريق الأقصر إلى الانفجار الكبير ..الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :….. مرآة للمشهد الدولي… بلغة تصل للجميع…

1️⃣ مشهد يتجاوز الضربة العسكرية

مع دخول إنذار ترامب الـ 48 ساعة حيّز التنفيذ، لم يعد التصعيد احتمالًا نظريًا، بل أصبح إطارًا زمنيًا ضاغطًا يُعيد تعريف كل ما يجري في المنطقة.

لم يعد المشهد في الخليج يدور حول ضربة جديدة هنا أو صاروخ هناك، بل حول انتقال الحرب نفسها إلى مستوى آخر: استهداف البنية التي تجعل الدول تعمل. أحدث ما نقلته رويترز ووكالات أخرى أن إنذار ترامب لم يكن موجهاً ابتداءً إلى حقول النفط، بل إلى محطات توليد الكهرباء الإيرانية، مع مهلة 48 ساعة مرتبطة بفتح مضيق هرمز كاملاً. وفي المقابل، جاء ردّ مقر خاتم الأنبياء بصياغة لا تكتفي بالردع، بل ترسم معادلة حرب بنى تحتية شاملة: إغلاق هرمز بالكامل، واستهداف واسع لمحطات الطاقة والبنية الرقمية وأنظمة الاتصالات (ICT) في إسرائيل، واعتبار محطات الكهرباء في دول المنطقة المستضيفة للقواعد الأميركية أهدافاً مشروعة إذا نُفذ التهديد الأميركي. هذه لم تعد لغة “تحذير“ فقط؛ إنها لغة هندسة تصعيد.

2️⃣ من حرب المواقع إلى حرب الشلل

التحول الأخطر هنا أن الحرب لم تعد تُقرأ بوصفها مواجهة على الحدود أو على السماء، بل بوصفها صراعاً على الوظائف الأساسية للدولة: الكهرباء، الاتصالات، الموانئ، والإمداد. حين تُهدَّد محطات التوليد، فالغاية ليست فقط إطفاء الأنوار، بل نقل الضغط إلى الحياة اليومية، وإرباك الصناعة، وضرب الخدمات، وتحويل الداخل إلى ساحة استنزاف نفسي ومعيشي. ولهذا تحديداً بدا ردّ طهران مضاعفاً: إذا ضُربت قدرتها على تشغيل الدولة، فإنها سترد بمحاولة تعطيل قدرة خصومها على التشغيل أيضاً، لا سيما في الطاقة والـ ICT. هكذا تتبدل طبيعة الحرب من حرب مواقع إلى حرب تشغيل وشلل.

3️⃣ سلم التصعيد: من الكهرباء إلى خرج و بارس

لكن ما يجعل الساعات الراهنة أخطر من مجرد تبادل تهديدات هو أن مسار التصعيد، كما تفهمه الأسواق والوكالات، لا يتوقف منطقياً عند الكهرباء. رويترز كانت واضحة في توصيفها لمكانة جزيرة خرج: هي منفذ نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، فيما يعد حقل جنوب بارس/أسالويا قلباً حيوياً لإمدادات الغاز الداخلية الإيرانية، إذ ينتج الجزء الأكبر من الغاز المستخدم محلياً للكهرباء والتدفئة والصناعة. ومعنى ذلك أن الانتقال من “ضرب الكهرباء“ إلى “ضرب شريان النفط والغاز“ ليس قفزة تخيلية، بل سلم تصعيد واقعي تفهمه غرف القرار جيداً: إذا لم يحقق الضغط على شبكة الكهرباء الغرض السياسي، فإن العيون تتجه تلقائياً إلى خرج، وإذا أريد تعميق الاختناق الداخلي أكثر، فإن جنوب بارس يصبح هدفاً ذا أثر بالغ على الطاقة المحلية.

4️⃣ مفارقة الحرب: إضعاف إيران… وإشعال العالم

وهنا تظهر المفارقة التي تجعل هذه الحرب أخطر من سواها: ما يؤذي إيران قد يؤذي العالم معها. مضيق هرمز، كما تذكر رويترز ووسائل أخرى، يمر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً. لذلك فإن استهداف البنية الطاقية الإيرانية، أو الذهاب أبعد نحو خرج، قد يحقق ألماً مباشراً لطهران، لكنه في الوقت نفسه يهدد بتقليص الإمدادات، ورفع الأسعار، وتوسيع الذعر في الأسواق، ودفع المستهلكين والحكومات إلى دفع ثمن سياسي واقتصادي سريع. هذا هو التناقض الذي يفسر لماذا تبدو واشنطن راغبة في الضغط الأقصى مع ضبط أثره على السوق، ولماذا تبدو طهران مستعدة لاستخدام هرمز كتهديد لا يخص واشنطن وحدها، بل العالم كله.

5️⃣ نقطة اللاعودة: متى تفقد الحرب قابليتها للسيطرة؟

ومن هنا فإن السؤال لم يعد: هل ستُضرب منشأة ما؟ بل: أي عتبة إذا كُسرت فلن تعود الحرب قابلة للحصر؟ لأن ضرب الكهرباء يمكن تسويقه بوصفه ضغطاً على “القدرة الوظيفية“، أما ضرب خرج فيعني استهداف الشريان التمويلي النفطي للنظام، وضرب جنوب بارس يعني العبث بالقلب الغازي الذي يغذي الداخل الإيراني نفسه. في هذه النقطة تحديداً، يفقد التصعيد صفته التكتيكية ويأخذ طابعاً بنيوياً: لم تعد الضربة رسالة، بل تصبح محاولة لتغيير ميزان القدرة على البقاء. لهذا نقرأ في أحدث التغطيات أن الخليج نفسه بات يبعث رسائل قلق إلى واشنطن من تداعيات المساس بالبنية الطاقية الإيرانية، لأن الرد الإيراني ـ إذا جاء ـ قد لا يقف عند حدود إيران وإسرائيل، بل يمتد إلى منشآت الطاقة والمياه في الدول المضيفة للقواعد الأميركية.

6️⃣ حين تفلت الحرب من السياسة

المفارقة الأخرى أن الحرب، كلما اقتربت من الطاقة، اقتربت أيضاً من فقدان السيطرة السياسية عليها. أوروبا دعت قبل أيام إلى التهدئة وضبط النفس وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، في إشارة مهمة إلى أن المخاوف الغربية لم تعد محصورة في الصواريخ والنووي، بل في انفجار إقليمي يعبر من الطاقة إلى الاقتصاد ثم إلى الاستقرار الدولي. وحتى حين تتحدث التقارير عن “ضربات محدودة“ أو “رسائل ردعية“، فإن المشكلة الحقيقية ليست في الضربة الأولى، بل في كيفية تفسير الطرف الآخر لها: هل يراها سقفاً يمكن استيعابه، أم بداية لكسر الدولة من الداخل؟ هنا تبدأ الحروب الكبرى عادة: ليس بقرار واحد، بل بسوء تقدير متبادل.

7️⃣ من مهلة سياسية إلى سلسلة ضربات

حتى اللحظة، ما تؤكده التغطيات الأحدث هو أن المعلن أميركياً هو التهديد بمحطات الكهرباء، أما الانتقال إلى النفط والغاز فيبقى احتمالاً تصعيدياً خطيراً يفرضه منطق الحرب لا قراراً معلناً نهائياً حتى الآن. لكن هذا الاحتمال لم يعد هامشياً، لأن أسماء مثل خرج وجنوب بارس صارت في قلب لغة السوق، ومراكز الأبحاث، ووسائل الإعلام الدولية، بوصفها العقد التي إذا مُسّت انتقل النزاع من حرب استنزاف إلى حرب اختناق. ولهذا فإن العبارة الأدق الآن ليست أن المنطقة تقف على حافة ضربة، بل أنها تقف على حافة سلسلة مترابطة من الضربات، تبدأ بالكهرباء، وقد تمر بالنفط والغاز، ثم تنفتح على هرمز، ثم تجر معها الخليج والأسواق والاقتصاد العالمي إلى أزمة أكبر من أطراف الحرب نفسها.

8️⃣ المسارات المحتملة خلال الساعات القادمة

بعد مراجعة أحدث ما خرج خلال الساعات الأخيرة من رويترز وAP وFT، ومع المواقف الأوروبية الرسمية، الصورة الأرجح ليست “سيناريو واحدًا“، بل أربعة مسارات متنافسة داخل الأربع والعشرين ساعة القادمة. وما سأذكره هنا هو استقراء مبني على ما نُشر لا على يقين قطعي.

⏺️المسار الأول: مخرج ترامبي بالتأجيل المغلّف بالصرامة.

هذا المسار ما زال قائمًا، لأن التغطيات نفسها تُظهر أن ترامب جمع بين لغة الإنذار الحاد وبين إشارات سابقة إلى أنه قد يبدأ “خفض“ عملياته أو البحث عن مخرج، فيما يترك هامشًا لتبرير أي تأجيل على أنه “استجابة أولية“ أو “رسائل وصلت“ أو “فتح جزئي للممر“ أو “فرصة أخيرة للدبلوماسية“. كذلك فإن إيران، حتى وهي تهدد بالإغلاق الكامل إذا نُفذ التهديد الأميركي، أبقت خطابًا آخر يقول إن هرمز مفتوح لغير السفن المرتبطة بـ“الأعداء“، وهذا يخلق مساحة لفظية يمكن لكل طرف أن يبني عليها رواية تراجع تكتيكي بلا اعتراف مباشر بالتراجع.

⏺️المسار الثاني: تنفيذ محدود ومدروس، لا تنفيذ شامل.

AP نقلت عن مايك والتز أن التهديد يبدأ بضرب “واحدة من أكبر محطات الطاقة“ الإيرانية، لا حملة مفتوحة منذ اللحظة الأولى، وهذا مهم جدًا؛ لأنه يوحي بأن الخيار العملي الأقرب، إذا قرر ترامب المضي، قد يكون ضربة عرض قوة قابلة للتسويق كتنفيذ للوعد، لكنها أقل من حرب شاملة على كل قطاع الطاقة. هذا النوع من التنفيذ يمنح البيت الأبيض القدرة على القول إنه لم يتراجع، وفي الوقت نفسه يترك بابًا مفتوحًا لوقف التصعيد بعد “الضربة النموذجية“.

⏺️المسار الثالث: صفقة أمر واقع غير معلنة.

الأوروبيون يتحركون الآن بالهاتف والضغط السياسي تحديدًا حول هرمز والبنية التحتية، وكايا كالاس تحدثت مع وزير الخارجية الإيراني ومع أطراف إقليمية، فيما دعا ماكرون إلى ضبط النفس ووقف الهجمات على البنية التحتية للطاقة والأهداف المدنية. هذا لا يعني وجود تسوية جاهزة، لكنه يعني أن هناك جهدًا فعليًا لصناعة وقف تدهور ولو مؤقت. في هذا السيناريو لا يُعلن أحد “اتفاقًا“، بل نرى تباطؤًا في التنفيذ الأميركي، وصياغات إيرانية أقل حدّة حول المرور البحري، فيخرج الطرفان من حافة المهلة من دون إعلان تراجع رسمي.

⏺️المسار الرابع: تنفيذ فعلي يفتح باب السلسلة، لا باب الضربة الواحدة.

هذا هو الأخطر، وهو قائم لأن رويترز وAP تؤكدان أن التهديد الأميركي صار مباشرًا ضد محطات الكهرباء، بينما الرد الإيراني صار مباشرًا بدوره: إغلاق كامل لهرمز إذا نُفذت الضربة، واعتبار بنى الطاقة في الدول المستضيفة للقواعد الأميركية أهدافاً مشروعة. إذا اختارت واشنطن التنفيذ هنا، فالمشكلة ليست في الضربة الأولى، بل في أن الطرف الآخر أعلن مسبقًا أنه سيرد على مستوى البنية التحتية والطاقة، بما يجعل أي تنفيذ أميركي قابلًا للتحول إلى سلسلة ردود لا يمكن ضمان بقائها محدودة.

((( أي المسارات أرجح؟ ))

من خلال ما تنقله الوكالات الكبرى الآن، أرى أن التأجيل المغلّف أو التنفيذ المحدود هما المساران الأكثر واقعية خلال الأربع والعشرين ساعة القادمة، لأن كليهما يسمح لترامب بالمحافظة على صورة الحزم من دون القفز فورًا إلى حرب طاقة كاملة. لكن هذا الترجيح هش جدًا، لأن مؤشرات السوق والقلق الأوروبي والتصريحات الإيرانية جميعًا تقول إن أي خطأ في التقدير قد يحوّل “الضربة المحدودة“ إلى بداية سلسلة أوسع.

((( الخلاصة )))

الصورة التي ترسمها الصحف والوكالات العالمية الآن ليست أن ترامب محكوم حتمًا بالتنفيذ، ولا أنه قرر التراجع، بل أن أمامه ثلاث أدوات للخروج: تأجيل بذريعة الاستجابة، تنفيذ رمزي يحفظ ماء الوجه، أو المناورة بمهلة جديدة تحت عنوان “إعادة التقييم“. وفي المقابل، إذا اختار أن يثبت الوعيد حرفيًا، فكل التقارير الجادة تقريبًا تتعامل مع ذلك على أنه عبور من أزمة مضيق إلى أزمة بنى تحتية وطاقة إقليمية يصعب وقفها بعد بدايتها.

أن الساعات القادمة ليست اختبارًا لقدرة ترامب على الضرب، بل لقدرة الجميع على إيجاد مخرج يحفظ الهيبة قبل أن يفرض الميدان منطقه الخاص

9️⃣ الخاتمة: من يوقف السلسلة بعد أن تبدأ؟

في الساعات الأخيرة تغيّر السؤال الاستراتيجي كله. لم يعد السؤال: من يملك الجرأة على الضربة الأولى؟ بل: من يملك القدرة على إيقاف السلسلة بعد أن تبدأ؟ لأن استهداف الكهرباء ليس مجرد عمل عسكري، بل فتح باب على حرب البنى التحتية. وردّ هرمز ليس مجرد تهديد بحري، بل إعلان استعداد لتحويل الألم المحلي إلى أزمة عالمية. وبين إنذار الكهرباء، واحتمال النفط والغاز، واسمَي خرج وبارس اللذين يلوحان في خلفية المشهد، لم تعد المنطقة أمام أزمة عابرة، بل أمام لحظة قد تعيد تعريف معنى الحرب نفسها: حرب لا تُقاس بعدد الصواريخ فقط، بل بعدد المدن التي يمكن أن تُطفأ، وعدد الموانئ التي يمكن أن تتعطل، وعدد الدول التي ستكتشف متأخرة أن الشرارة التي ظنتها محدودة كانت بداية الانفجار الكبير. 

في النهاية، لا تُقاس هذه الحرب بما تخسره الدول…بل بما يخسره المواطن الذي لا يملك قرارها.

حين تُستهدف الكهرباء… لا ينطفئ الضوء فقط،بل تنكشف كلفة يدفعها الأبرياء أولًا.

اترك رد