«قاليباف بونابرت إيران» التحول الهيكلي في السلطة الإيرانية وميلاد “الجمهورية الثالثة” …الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

تقرير استراتيجي:

⏺️ المقدمة: اللحظة البونابرتية

في الفلسفة السياسية، تظهر “البونابرتية” عندما تصل الدولة إلى حالة من الاستعصاء والجمود بين قوى قديمة تنهار (المؤسسة العقائدية) وقوى جديدة تعجز عن الحسم (الشارع المحتج)، فيبرز “الرجل القوي” من المؤسسة العسكرية لفرض نظام هجين يجمع بين الهيبة القومية والكفاءة الإدارية. اليوم، ومع حلول مهلة الـ 5 أيام التي منحها الرئيس ترامب، يبدو أن محمد باقر قاليباف قد تجاوز دور “رئيس البرلمان” ليرتدي عباءة “نابليون طهران”، منقذاً الدولة من الفناء النووي وضبطاً لإيقاع الفوضى الداخلية.

 

1️⃣ الجذور والشرعية: من الخندق إلى البيروقراطية

لم يأتِ صعود قاليباف من فراغ؛ فهو يمتلك “الشرعية الثنائية” التي يفتقدها خصومه. بصفته لواءً سابقاً في الحرس الثوري (IRGC) وقائداً لسلاح الجو، هو ابن المؤسسة العسكرية البار بامتياز. وبصفته عمدة طهران السابق، هو التكنوقراط الذي بنى الجسور والأنفاق وسط العقوبات. هذه التوليفة جعلت منه الشخصية الوحيدة المقبولة لدى “الجنرالات” الذين يخشون ضياع امتيازاتهم، و”البيروقراطيين” الذين يريدون دولة تعمل. قاليباف هو بونابرت الذي لا يتحدث بلغة “الشهادة” فقط، بل بلغة “الإنجاز والخرسانة”.

 

2️⃣ الانتقال الناعم: إزاحة “العمامة” لصالح “البذلة”

في ظل الغياب الغامض للمرشد مجتبى خامنئي وتدهور الحالة الصحية والسياسية لبيت المرشد، قاد قاليباف بالتنسيق مع أحمد رضائي “انتقالاً أبيض”. جوهر هذا الانتقال هو نقل مركز الثقل من “الحوزة والدين” إلى “المجلس العسكري والتكنوقراط”. قاليباف يدرك أن الاستمرار في “الأيديولوجيا العابرة للحدود” (فكرة تصدير الثورة) أصبحت عبئاً يهدد بقاء “بيضة الإسلام” (الدولة القومية). لذا، بادر بتقديم “صفقة القرن الإيرانية” لترامب، مضحياً بالأذرع الإقليمية مقابل الاعتراف به كحاكم أوحد لإيران “طبيعية” ومستقرة.

 

3️⃣ ميزان القوى: مثلث (قاليباف – رضائي – وحيدي)

يعمل “بونابرت إيران” وسط حقل ألغام. تحالفه مع أحمد رضائي يمنحه الغطاء العسكري الضروري لضبط ألوية الحرس الثوري. أما صراعه المكتوم مع أحمد وحيدي (ممثل الحرس القديم)، فهو الصراع الكلاسيكي بين “الدولة” و”الثورة”. نجاح قاليباف في انتزاع مهلة الـ 5 أيام واستئناف تدفق الكهرباء والخبز (البنود 5 و7) هو “السلاح السري” الذي يستخدمه لتحييد وحيدي؛ فالشعب الجائع والجندي المنهك سيصطفان خلف من يوفر “الحياة” لا من يعد بـ “الموت” في سبيل شعارات قديمة.

 

4️⃣ العقيدة الجديدة: “التقية السيادية” وخبز الشعوب

يتبنى قاليباف نسخة مطورة من “حفظ بيضة الإسلام”. في رؤيته، الحفاظ على النظام يقتضي الانحناء أمام عاصفة ترامب (الخطة A) لتجنب الإبادة (الخطة B). هو يمارس “التقية” مع واشنطن عبر تقديم تنازلات تقنية (البنود 1-3) مقابل انتزاع اعتراف دولي بمجلسه الانتقالي. هدفه الاستراتيجي ليس “الاستسلام”، بل “تجميد الصراع” لإعادة بناء الاقتصاد القومي، محولاً إيران إلى قوة إقليمية “اقتصادية-عسكرية” على طراز النمور الآسيوية، ولكن بصبغة قومية فارسية.

 

5️⃣ التحديات: فخاخ الموساد وطموح ترامب

يواجه “بونابرت إيران” خطرين وجوديين:

◾️ داخلياً: قدرة وحيدي على القيام بعملية “انتحارية” تطيح برؤوس التحالف الجديد في اللحظة الأخيرة.

 

◾️ خارجياً: قدرة الموساد الإسرائيلي على كشف “التقية” التي يمارسها قاليباف في ملف التفتيش، مما قد يحرج ترامب ويجبره على العودة للتشدد.

 

⏺️ الخاتمة: الجمهورية الثالثة

قاليباف اليوم هو وجه “الجمهورية الثالثة”؛ جمهورية لا يحكمها “الولي الفقيه” بصلاحيات مطلقة، بل “المجلس العسكري المدني” الذي يقدس السيادة القومية فوق الأيديولوجيا الدينية. إذا نجحت “ساعة الصفر” وتم توقيع الاتفاق، سيدخل قاليباف التاريخ كالقائد الذي منع محو إيران من الخارطة، معيداً صياغة العقد الاجتماعي الإيراني على قاعدة: “الاستقرار والرفاهية مقابل الصمت السياسي”. لقد انتهى زمن الثورة، وبدأ زمن “الدولة البونابرتية” التي يقودها طيار حربي يعرف متى يقلع ومتى يهبط بسلام وسط العواصف.

 

⏺️ التوصية الاستراتيجية:

على القوى الإقليمية والدولية الاستعداد للتعامل مع “إيران قاليباف” كلاعب براغماتي صلب، يمتلك طموحات اقتصادية كبرى وجهازاً عسكرياً معاد تدويره، مما يستوجب بناء قنوات اتصال جديدة تتجاوز “اللغة الثورية” القديمة نحو “لغة المصالح المباشرة”.

اترك رد