منبر العراق الحر :
في مشهد سياسي معقد تتداخل فيه حسابات الداخل الإيراني مع ضغوط الخارج، تبرز الوساطة الباكستانية كرهان دبلوماسي صعب، يسعى إلى إعادة إحياء مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران، وسط انقسام داخلي حاد يهدد بتقويض أي تقدم محتمل.
ورغم التحركات المكثفة من جانب باكستان، لا يزال الغموض يحيط بمصير الجولة الثانية من المفاوضات، في ظل ما يوصف بأنه تحدي مزدوج بين فجوة واسعة بين واشنطن وطهران، وانقسام أعمق داخل بنية القرار الإيراني نفسها.
وساطة مزدوجة
ولا يقتصر الجهد الباكستاني على تقريب وجهات النظر بين الخصمين التقليديين، بل يمتد إلى محاولة تفكيك عقدة الانقسام داخل إيران، حيث تتباين مواقف المؤسسات بين تيارات تميل للتفاوض وأخرى ترفضه بشكل قاطع.
وتشير المعطيات إلى أن إسلام آباد نجحت في إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتمديد وقف التصعيد العسكري، لإفساح المجال أمام طهران لتقديم مقترح موحد، رغم استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية.
وفي هذا السياق، كتب ترامب على منصة “ثروت سوشيال” أنه تصرف بناء على طلب باكستان لتأجيل الهجمات، حتى يتمكن القادة الإيرانيون من بلورة رؤية تفاوضية مشتركة، في إشارة تعكس حجم التعقيد داخل طهران.
مأزق الانقسام الإيراني
يقول مدير مركز إسلام آباد للدراسات السياسية، الكريم شاه، إن الأزمة الحقيقية تكمن في الانقسام الداخلي الإيراني بين الحرس الثوري المتشدد الذي يرفض التفاوض وبين مقر “خاتم الأنبياء” الذي يرى إمكانية الذهاب للمفاوضات للوصول إلى حل، وحال عدم الوصول إلى ذلك من الممكن العودة دون اتفاق مثلما حدث في الجولة الأولى.
وأشار شاه في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية”، إلى أنه “على الرغم من التباينات في المواقف الأميركية الإيرانية، والفجوات القائمة بين الجانبين إلا أن الجهود الباكستانية في الوقت الراهن تسعى إلى معالجة الانقسام الإيراني، ولذلك ذهب قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، إلى طهران في زيارة استغرقت 3 أيام لمعالجة الانقسام بين الحرس الثوري ومقر خاتم الأنبياء، ولايزال التباين قائما”.
وعن حضور الوفد الإيراني للمفاوضات، قال شاه إن الوفد الإيراني سيحضر مساء الجمعة بشكل كبير، مشيرا إلى أن التأرجح الإيراني وتأخير الحضور للمفاوضات كان بسبب عدم الوصول إلى مقترح إضافة إلى محاولة تليين الموقف الأميركي وفك الحصار عن الموانئ الإيرانية.
مهمة صعبة في بيئة متفجرة
وصف الباحث في الشأن الإيراني، وجدان عبد الرحمن، مهمة باكستان في رأب الصدع في الداخل الإيراني بـ”الصعبة”، مشيرا إلى أن التباينات بين المؤسسة السياسية والمؤسسة العسكرية كبيرة جدا في إيران، والدليل على ذلك أن الصين وروسيا في ظل علاقتهما الوطيدة بإيران لم يتمكنا من رأب هذا الصدع أو تقليل التباينات.
ويوضح عبد الرحمن: أن “الصراع حاليا في إيران أكبر من الاحتواء في ظل الصراع على السلطة، والحرس الثوري استولى على السلطة بشكل كامل، والتماسك الآن في إيران يرجع إلى فرض الأمر الواقع بالقوة الخشنة التي يستخدمها الحرس الثوري الإيراني على أعلى المستويات السياسية في إيران”.
حدود النفوذ وفرص التهدئة
من جانبها، تقول الخبيرة الأميركية في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، إيرينا تسوكر مان، إن هناك بالفعل تباينات داخلية داخل إيران، وغالبا ما تعكس هذه الاختلافات تفضيلات تكتيكية، أو منافسة مؤسسية، أو استراتيجيات في الخطاب والرسائل، أكثر مما تعكس تباينا حقيقيا في العقيدة الاستراتيجية.
وترى تسوكرمان في تصريحات لـ”سكاي نيوز عربية” أن “دور باكستان يعمل ضمن هذه القيود، إذ تستمد إسلام آباد نفوذها من قدرتها على الوصول إلى كل من واشنطن وطهران ومن درجة المصداقية التي تحظى بها لدى الطرفين، ما يتيح لها تسهيل الحوار، ونقل المقترحات، وخفض حدة التوترات المباشرة”.
وأوضحت أنه إذا استمرت المواقف الإيرانية في مسارها الحالي، فمن المرجح أن يظل الرد الأميركي قائما على ممارسة الضغط مع الإبقاء على القنوات الدبلوماسية مفتوحة بصورة شكلية، ويجمع هذا النهج بين القيود الاقتصادية، والإشارات العسكرية، ومحاولات تفاوض متقطعة، بهدف دفع الطرف الآخر إلى التحرك دون إغلاق باب التوصل إلى اتفاق.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر