منبر العراق الحر :نشيد الخلق الأول
دُرة تاريخ الأبجدية
عروس القلمون
تجلّى نور اللهُ بتسابيح الكون ،
حينَ تُصلّي مآذن المدى
وتنحني للكهوفِ التي حفرتْها
يدُ الأوائلِ في صخرِها
كأنّها ذاكرةُ الإنسانِ حينَ كانَ الضوءُ
أوّلَ لغةٍ تُقال.
هنا… في يبرود
تتكلّمُ الحجارةُ بلسانِ الشمس،
وتكتبُ الريحُ على الجدرانِ
أسماءَ من مرّوا خفافًا
وتركوا في الصخرِ معنى البقاء.
كهوفُ الأوائلِ
ليستْ فراغًا في الجبل،
بل أبوابٌ قديمةٌ
دخلتْ منها البشريةُ إلى سؤالِها الأول:
من نحن؟
ولِمَ يولدُ النورُ من عتمةِ الطين؟
يا يبرود…
يا نشيدَ المطرِ حينَ يوقظُ الأرضَ من سباتها،
يا تسابيحَ الندى
على خدودِ الأعشابِ الصغيرة،
كأنّ الكونَ يتوضّأُ هنا
قبل أن يبدأَ النهار.
فيكِ الجبالُ ليست حجارةً صامتة،
بل صدورٌ تحفظُ سرَّ الزمن،
وفيكِ الكهوفُ
مآذنُ بدائيةٌ للصمت،
تُقيمُ صلاةَ الإنسانِ الأول
حينَ كان الإيمانُ دهشةً لا تُشرح.
هنا…
يمشي التاريخُ حافيًا،
ويتركُ أثرهُ في الترابِ كأنّه دعاء،
وهنا…
يتعلّمُ القلبُ أن اللهَ ليس بعيدًا،
بل قريبٌ
بقربِ نور دافئٍ
وقطرَةِ مطرٍ تتدلّى من غصن.
في صمتِ الكهوفِ
وفي ضوءِ الشمسِ حينَ يلمسُ هجاء صدى صوت الجبل
وفي المطرِ حينَ يغسلُ تعب الذاكرة الأول
وفي الندى
حينَ يهمسُ:
ما زالَ الجمالُ حيًّا…
وما زالتِ الأرضُ تُصلّي.
يا قهوتي العربيةَ الموشّاةَ بالهيلِ،
يا صباحًا ينهض من ذاكرةِ الأجداد،
ويُصلّي في فناجينِ الطينِ
للبيوتِ التي كانتْ إذا مرّ العيدُ
ضحكتْ جدرانُها من صدى الأرواح.
أنا قلمٌ مجروح…
أكتبُ لأُبرىء الحنينَ في صدري،
كما تُرقِّعُ الأمُّ ثوبَ الغيابِ
بإبرةِ الصبر،
وأكتبُ كي لا أموتَ غريبًا
في منافي الروح.
هناك…
عند البحيرةِ
كان الماءُ يُرتّلُ أسماءَنا،
وكانت الأرجوحةُ
تعلّقُ طفولتَنا بين السماءِ والضحكة،
والمفرقعاتُ إذا اشتعلتْ
عرفتِ الأزقّةُ
أن العيدَ جاءَ يحملُ قمحَ الفرح.
يا ضيافةَ الحيِّ
حينَ كانت القلوبُ بلا أبواب،
والقهوةُ تُسكبُ بمحبةٍ
كأنها عهدُ العربِ الأول،
والجارُ يعرفُ وجعَ جارهِ
قبل أن ينطقَ المساء.
أحنُّ…
للجبالِ حينَ كانتْ
تلبسُ سلالَها المُعقّدةَكعقد
يحرس كرامتها
كتاجٍ من صبرٍ وأسطورة،
تحيطُ الجسدَ الكبيرَ للأرضِ
كأمٍّ لا تنامُ.
أحنُّ للسهولِ
حينَ كانت السنابلُ
تُغنّي للريحِ مواويلَ الحضارة،
وللكنائسِ إذ تهمسُ بالنور،
وللمآذنِ إذ تُوقظُ الصباحَ
مُتَهلّلاً ذكر الله. بقلب الخشوع
أحنُّ لمقاعدِ الدراسة،
لأستاذٍ كان يُعلّمنا
أن الوطنَ ليس خريطةً،
بل رائحةُ خبزٍ
وصوتُ بابٍ قديم.
ولطفلةِ الروحِ…
التي ما زالتْ تُلوّحُ لي
من شرفةِ الذكرى،
كلما أثقلَ المهجرُ كتفيّ
قالتْ:
“لا تبكِ…
فالبيوتُ التي أحببتَها
لا تنساك.”
أنا صوت شعور طافه الحنين
مجروح…
لكنّي أكتبُ
كي يبرأ الحنينُ قليلًا،
كي لا يذبلَ التراثُ في القلب،
كي يبقى الوطنُ
أغنيةً قديمةً
نحملُها معنا
حينَ يطولُ الطريق.
الكاتبة السورية هيفاء البريجاوي ابنة يبرود المحبة
معايدتي لذاكرة موطني الأم
منبر العراق الحر منبر العراق الحر