منبر العراق الحر :
في كل خلية من خلايا الجسم البشري يمتد الحمض النووي بطول يقارب المترين، ومع ذلك يُحشر داخل نواة مجهرية أصغر من رأس دبوس.
ولطالما اعتقد العلماء أن طريقة طي الحمض النووي ليست مجرد وسيلة لتوفير المساحة داخل النواة، بل تؤدي دوراً أساسياً في تنظيم عمل الجينات. واليوم تكشف دراسة جديدة أن موقع الجين داخل النواة قد لا يقل أهمية عن الجين نفسه، وأن أي خلل في هذا التنظيم قد يؤدي إلى الإصابة بأمراض خطيرة.
وتوصل باحثون من كلية بيرلمان للطب في جامعة بنسلفانيا الأميركية إلى فهم جديد للآلية التي تُحدد بها الخلية ما إذا كان الجين سيظل نشطاً أو سيُسكَت. كما أظهرت الدراسة أن هذا النظام يختل في مرض نادر يُعرف باسم «رنح فريدرايخ» (Friedreich’s Ataxia)، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة تستهدف تنظيم الحمض النووي (دي إن إيه) بدلاً من تعديل الجينات نفسها.
ليس كل الجينات متساوية داخل النواة
ولا تُرتب الجينات داخل نواة الخلية بشكل عشوائي، بل تشغل مواقع محددة في فضاء ثلاثي الأبعاد. وقد لاحظ العلماء منذ سنوات أن الجينات القريبة من الغلاف الداخلي للنواة تكون عادة أقل نشاطاً، في حين تميل الجينات الموجودة في مركز النواة إلى العمل بشكل أكبر.
لكن السؤال الذي حيّر الباحثين طويلاً كان: هل يتوقف نشاط الجين بسبب موقعه داخل النواة، أم يتغير موقعه نتيجة انخفاض نشاطه؟
وللإجابة عن هذا السؤال، ركز فريق بحث، برئاسة راجان جاين من قسم بيولوجيا الخلية والتطور في كلية بيرلمان للطب بجامعة بنسلفانيا، في دراسة نُشرت بمجلة «Molecular Cell» في 21 مايو (أيار) 2026، على عمليتين أساسيتين؛ الأولى هي «النسخ الجيني» (Transcription)، وهي عملية قراءة الجين لإنتاج الحمض النووي الريبي (RNA)، والثانية تتعلق ببروتين يُعرف باسم «كوهيسين» (Cohesin)، الذي ينظم البنية المكانية للحمض النووي (DNA) عبر طيه وربط أجزاء مختلفة منه معاً.
وباستخدام أدوات تعتمد على تقنية «كريسبر»، اكتشف الباحثون أن خفض نشاط النسخ الجيني يدفع بعض الجينات نحو أطراف النواة؛ حيث تصبح أكثر عرضة للإسكات. وفي المقابل فإن النشاط الزائد لبروتين كوهيسين يؤدي أيضاً إلى دفع الجينات نحو الحافة الخارجية للنواة وإخماد نشاطها.
أما المفاجأة فكانت أن إعادة تنشيط عملية النسخ وتقليل نشاط كوهيسين سمحا للجينات بالعودة نحو مركز النواة واستعادة جزء من نشاطها الطبيعي.
ويصف العلماء هذه العلاقة بأنها تُشبه «مفتاح تعتيم الضوء»، إذ لا تعمل الجينات بنظام التشغيل أو الإيقاف الكامل، بل يجري ضبط نشاطها تدريجياً حسب موقعها، وطريقة تنظيم الحمض النووي حولها.
مرض نادر يكشف الآلية الخفية
واختار الباحثون مرض «رنح فريدرايخ» نموذجاً للدراسة؛ لأنه ينتج عن خلل معروف في جين واحد يسمى «FXN» المسؤول عن إنتاج بروتين «فراتاكسين» (frataxin).
ويؤدي انخفاض هذا البروتين إلى ظهور أعراض عصبية وقلبية خطيرة تشمل فقدان التوازن التدريجي وضعف العضلات ومشكلات في القلب، ويصيب المرض نحو شخص واحد من كل 40 ألف شخص حول العالم.
عندما فحص العلماء خلايا مأخوذة من مرضى «رنح فريدرايخ» وجدوا أن الجين «FXN» يتموضع بشكل غير طبيعي عند أطراف النواة، وهي منطقة ترتبط عادة بإسكات الجينات. وعند تقليل نشاط بروتين كوهيسين داخل هذه الخلايا تحرك الجين بعيداً عن الحافة، وعاد إلى مناطق أكثر نشاطاً داخل النواة. والأهم من ذلك أن مستويات بروتين فراتاكسين ارتفعت بشكل ملحوظ رغم أن الطفرة الوراثية الأصلية بقيت موجودة دون تغيير.
وتشير هذه النتيجة إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في الطفرة الجينية نفسها بل أيضاً في المكان الذي يحتله الجين داخل النواة.
نحو جيل جديد من العلاجات
ورغم أن هذه النتائج لا تُمثل علاجاً جاهزاً للمرض فإنها تقدم مفهوماً جديداً قد يغير طريقة التفكير في الأمراض الوراثية، فبدلاً من التركيز حصراً على إصلاح الجينات المعطوبة قد يصبح بالإمكان مستقبلاً إعادة تنظيم الحمض النووي داخل النواة، بحيث تستعيد الجينات نشاطها الطبيعي.
ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف يسلط الضوء على أهمية «هندسة الجينوم ثلاثية الأبعاد»، وهو مجال ناشئ يدرس كيفية ترتيب الحمض النووي داخل الخلايا، وتأثير ذلك في الصحة والمرض.
ومع تزايد الأدلة على أن موقع الجين قد يكون عاملاً حاسماً في عمله، يعتقد العلماء أن فهم هذه البنية الخفية قد يقود إلى استراتيجيات علاجية جديدة ليس فقط لمرض «رنح فريدرايخ» بل لمجموعة واسعة من الأمراض الوراثية والعصبية التي ما زالت تفتقر إلى علاجات فعالة. وهكذا، فأحياناً لا يكون الحل في تغيير الجين نفسه، بل في منحه المكان المناسب ليعمل من جديد.
لندن: د. وفا جاسم الرجب
الشرق الاوسط
منبر العراق الحر منبر العراق الحر