منبر العراق الحر :
الفصل الأول: جَفَافُ اليَنَابِيعِ وَاشْتِعَالُ المَحْرَقَة
في قلب بغداد القديمة، حيث تتعانق رائحة التاريخ مع غبار الإهمال، كان قاسم يسكن جسده كما يسكن المرء بيتاً آيلاً للانهيار.. لم تكن شهوته مجرد رغبة عابرة، بل كانت ندبة وجودية، ثقباً أسود في روحه يبتلع كل شيء ولا يشبع أبداً… ؛ الجنس عنده لم يكن متعة، بل كان محاولة يائسة لملء فراغ لا يُملأ، كمن يحاول أن يروي عطشه بماء البحر.
كان قاسم يعيش طقوساً جسدية ذات شرهٍ منقطع النظير؛ فالجنس في معبده الوجودي لم يكن ترفاً، بل كان كالماء والهواء، حاجةً بيولوجية يتناولها يومياً، بل وثلاث مراتٍ في بعض الأحيان… ؛ أكلتْ هذه الرغبة المستعرة ثروته الطائلة، فأنفقها بين أحضان نساءٍ لا حصر لهن، باحثاً عن ذاته الهاربة في تضاريس الأجساد.
أنفق ثروة طائلة في ملاحقة نساء كالنجوم المتساقطة، يلمعن في سماء غرف الفنادق والشقق ثم يختفين دون أثر.. وأحواله المادية تنهار كبيت من ورق، وشيبه يزداد كثافة، وضعف جسده يتضاعف مع كل يوم يمر، لكن شهوته ظلت شامخة كصخرة في عاصفة، لا تلين ولا تنكسر.
كان قاسم يحمل في جوفه ناراً لا تطفأ.. شهوته كاللهب المشتعل على قارورة الزيت، لا تعرف الكلال ولا تدرك حدود الجسد المتهالك.. كان الجنس لديه كالهواء الذي لا يُستغنى عنه، كالخبز اليومي الذي لا ينقطع، بل ربما أكثر إلحاحاً من نبض القلب نفسه..!
لكنّ الزمن، ذلك الغريم الأبدي، بدأ يمارس مَكْرَه؛ فساءت أحوال قاسم المعيشية شيئاً فشيئاً، وتقدمت به السنون، وذبل كل غصنٍ في جسده إلا تلك الشهوة المتقدة، بقيت كالعنقاء ترفض الرماد.
في تلك الليلة، انتابه قلقٌ وجوديّ حاد، وانتصب جسده كالعادة معلناً التمرد تحت ضغطٍ نفسي خانق… ؛ فلأول مرة في حياته، يمر عليه شهران كاملان دون لقاءٍ جسدي، حتى اضطر في عزلته إلى ممارسة العادة السرية كصبيٍّ غرير يستكشف عوالمه الأولى… ؛ ضاقت به الأرض بما رحبت، ولم يعد يملأ عينه سوى رغبة اشباع شهوته …
وفي إحدى الأمسيات، وبينما كان يقلب أسماء هاتفه القديمة علّه يجد مرساةً لجنونه وشبقه الجنسي ، وقع بصره على اسم صديق قديم يدعى أبو فضة..
اتصل به بعد تردد طويل..
تبادلا الحديث عن الأيام التي انقضت، وعن الأصدقاء الذين رحلوا، وعن المدن التي تغيرت حتى لم تعد تشبه نفسها..
* قاسم: أهلاً أبا فضة.. كيف حالك؟ أرجو أن تكون بخير.
* أبو فضة: أهلاً وسهلاً بك عزيزي قاسم.. الحمد لله والشكر له.. أنت كيف حالك؟
* قاسم: الحمد لله على كل حال.
* أبو فضة: ألم تتحسن أوضاعك بعد؟ ما زلت تعاني مادياً؟
* قاسم: نعم يا صديقي.. في هذا الزمن، إذا افتقر الغني وسقط الرجل، فمن الصعب أن ينهض مجدداً.. يبدو أن الحياة لا تمنح الإنسان إلا فرصة واحدة.
* أبو فضة: صدقت، لكنك أسرفت كثيراً في معاقرة الخمر، و اللهو مع النساء، ولعب القمار، وهذه نتيجة طبيعية لما زرعت.. المهم هو سلامتك.
ثم قال أبو فضة فجأة:
“تعرف يا قاسم… الإنسان لا يكتشف حقيقة نفسه إلا عندما يخسر كل شيء.”
ضحك قاسم بمرارة.
“إذن أنا أقرب الناس إلى الحقيقة.”
* قاسم (بنبرة متوسلة): أبا فضة.. أنا ظمآن لجلسة حميمية.. ألا توجد امرأة؟
* أبو فضة: لا أخفيك أمراً عزيزي قاسم، لقد حذفتُ أرقام النساء جميعاً منذ فترة، ولم أعد أعرف واحدة من بائعات الهوى.
* قاسم (باندهاش): عجيب! هل تبت إلى الله وأقلعت عن تذوق الخمر ونكح النساء؟
* أبو فضة: لا.. لست تائباً بالمعنى التقليدي، لكنني استبدلت بالنساء شباباً حساناً، فصرت لا أعاشر إلا شاباً وسيماً.
* قاسم: أمعقول ما تقول؟! أنت زير النساء العتيد، تصبح “قراماً” (عاشقاً للغلمان)؟!
* أبو فضة: إنها ثقافة خفية تكتسح العالم الآن.. الجميع يتجه نحو سحر الشباب، لقد بارت سوق النساء يا صديقي.
* قاسم: قل كلاماً غير هذا.. مجتمعنا المحافظ لا يتقبل هذا الأمر ويدينه علناً!
* أبو فضة (مبتسماً بتهكم): أصلاً مجتمعك غارق إلى أذنيه في بحور المثلية الخفية واللواط، لكنه يرتدي قناع الفضيلة.
* قاسم: والحل يا أبا فضة؟ أنا في ذروة حاجتي الآن، ولم أعد أحتمل الصبر!
* أبو فضة: لدي شاب جميل، عمره تسعة عشر عاماً، كأنه فلقة قمر.. جربه مرة واحدة، وأعدك أنك ستزهد في النساء بعدها.
* قاسم: ماذا تقول؟! ومن أين عرفته، وكيف وثقت به؟
* أبو فضة: هو من منطقة الغزالية، يتيم الأبوين، يعيش صراعاً دائمًا مع شقيقه وزوجة شقيقه… ؛ تعرفت إليه عبر منصة “فيسبوك”، ورافقني في الشاحنة إلى البصرة أكثر من مرة… ؛ وفي أحد الأيام، بعد أن سكرنا حد الثمالة، أقنعته، فاستجاب حمودي.. كنتُ الأول في حياته، حتى إن دماً نزف منه لصعوبة الأمر في البداية… ؛ عشت معه

منبر العراق الحر منبر العراق الحر