منبر العراق الحر :….باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي ….
يمر العراق بمنعطف تاريخي حاسم تتشابك فيه التحذيرات الاستراتيجية الدولية مع مرارة الواقع الداخلي. وفي خضم هذا المشهد المعقد، برزت مقولتان تختصران الأزمة الحالية بأبعادها الأمنية والسياسية: تحذير وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من خطر «بلقنة العراق»، والتوصيف الشعبي والنخبوي اللاذع للبلاد بأنها «جوهرة في يد فحام». هاتان السرديتان تشكلان معاً إطاراً تحليلياً لفهم مستقبل بلاد الرافدين في ظل المتغيرات المتسارعة لعام 2026.
سردية “البلقنة”: الرسائل الخشنة تحت عباءة الانسحاب
حين أطلق ماركو روبيو مصطلح “البلقنة” (Balkanization) عقب لقاءاته مع رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في نيويورك، لم يكن يتحدث من فراغ، بل كان يعبر عن الموقف المؤسسي الصارم لـ البيت الأبيض ووزارة الخارجية معاً. «بلقنة العراق»، في المنظور الأميركي ، لا تعني خطة تقسيم سياسي فدرالي مقصود كما كان يُطرح في مشروع بايدن عام 2006، بل هي توصيف لـ «سيناريو تفكك حتمي» عشوائي تقوده الكانتونات المسلحة والميليشيات التي تمتلك سلاحاً خارج إطار الدولة وقرارها السيادي.
لقد جاء هذا التحذير كأداة ضغط سياسي رفيعة المستوى متزامنة مع الجداول الزمنية الحاسمة لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي. فواشنطن، التي تمضي قدماً نحو إتمام انسحابها العسكري الكامل بحلول 30 سبتمبر 2026، وضعت بغداد أمام مسؤولياتها السيادية. الرسالة الأميركية واضحة: التزام واشنطن بوحدة العراق بموجب الاتفاقيات الاستراتيجية مشروط بقدرة الدولة على احتكار السلاح؛ وإلا فإن بديل الاستقرار هو انشطار الدولة وتفتت مركزيتها.
سردية «الجوهرة والفحام»: أزمة الإدارة وإهدار المقدرات
على الجانب الآخر من المشهد، تتجلى سردية «العراق جوهرة في يد فحام» لتعبر عن الامتعاض البالغ والنقمة الشعبية من الطريقة التي تُدار بها المقدرات الهائلة للبلاد. العراق، الذي يمتلك ثروات نفطية هائلة وموقعاً جيوسياسياً استراتيجياً يجعله جوهرة الشرق الأوسط، يجد نفسه أسير قوى سياسية وفصائلية تتعامل مع هذه الثروات بعقلية التغانم وإتلاف المقدرات، تماماً كما تتسخ الجوهرة الثمينة حين تقع في أيدي فحام لا يدرك قيمتها ولا يحسن استخدامها.
هذه المفارقة الصارخة بين ثراء الوطن وبؤس إدارته السياسية هي التي تخلق البيئة الخصبة لـ “البلقنة”. فغياب الحوكمة الرشيدة واستمرار الفساد البنيوي وتعدد الولاءات العابرة للحدود، كلها عوامل حولت عناصر القوة العراقية إلى عبء أمني، وجعلت الدولة عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة على أراضيها وسلاحها، مما يمنح التحذيرات الدولية مشروعية واقعية يلمسها المواطن العراقي في تفاصيل حياته اليومية.
الروابط الاستراتيجية والانسحاب الكامل
يظهر الرابط الوثيق بين السرديتين في التوقيت الحالي؛ فالولايات المتحدة تقترب من نقطة الصفر لإنهاء وجودها العسكري، بما في ذلك إخلاء قواعد إقليم كردستان وقاعدة الحرير وتفكيك المنظومات الدفاعية بالكامل، لإعادة التموضع خارج الحدود في الأردن ودول المنطقة. هذا الانسحاب الكامل يضع نهاية لحقبة “الحماية العسكرية المباشرة” ويترك “الجوهرة” أمام اختبار حقيقي. واشنطن توظف فزاعة البلقنة للضغط على الحكومة العراقية للإسراع في تفكيك نفوذ الفصائل قبل اكتمال الانسحاب، محذرة من أن فراغ القوة قد يؤدي إلى احتكاك مسلح يعجل بنهاية الدولة الموحدة.
«نبض بغداد»: ردود الفعل الرسمية والشعبية بين الحذر والتوجس
أحدثت تصريحات ماركو روبيو وتلويحه بـ “البلقنة” هزة في الأوساط السياسية والشعبية العراقية، حيث انقسمت ردود الفعل إلى مسارين متوازيين:
الموقف الرسمي والسياسي «حذر ومناورة»: تعاملت حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي بدبلوماسية حذرة؛ حيث أكدت بغداد التزامها بفرض سيادة القانون وحصر السلاح، لكنها حاولت في الوقت ذاته التخفيف من حدة الخطاب الأميركي عبر التأكيد على قدرة المؤسسات الأمنية الرسمية على ضبط الاستقرار بعد 30 سبتمبر 2026 . في المقابل، شنت القوى السياسية والفصائل المقربة من طهران هجوماً لاذعاً على روبيو، معتبرة تحذيراته “تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية” ومحاولة أميركية بائسة لفرض شروط إملاء أمنية قبيل الجلاء العسكري الكامل من البلاد.
الموقف الشعبي والنخبوي«توجس وتأييد مبطن»: في الشارع العراقي ومنصات التواصل الاجتماعي، قوبل مصطلح “البلقنة” بتخوف حقيقي من سيناريوهات الفوضى، لكن المفارقة تكمن في التقاطع العجيب مع سردية «الجوهرة في يد فحام»؛ إذ رأى قطاع واسع من النخب المستقلة والمواطنين أن تحذير روبيو – رغم مرارته – يضع الإصبع على الجرح الفعلي. فقد اعتبروا أن استمرار هيمنة السلاح المنفلت والمحاصصة الحزبية هو المهدد الحقيقي الذي يقود البلاد نحو التفتت، مطالبين الحكومة باستغلال فرصة الانسحاب الأميركي الكامل لإنهاء ظاهرة “تعددية الجيوش” وبناء دولة المؤسسات قبل فوات الأوان .
خاتمة استشرافية: المسارات البديلة لعراق ما بعد 2026
بالنظر إلى المستقبل القريب، يجد العراق نفسه أمام مسارين لا ثالث لهما في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي الشامل:
المسار الأول «الانزلاق نحو البلقنة»: ويتحقق إذا ما عجزت السلطة المركزية في بغداد عن حسم ملف السلاح المنفلت قبل حلول الآجال الزمنية المتفق عليها، وتحديداً مهلة منتصف 2027 المعطاة لنزع السلاح. في هذا السيناريو، ستتحول المحافظات والأقاليم إلى كانتونات أمنية واقتصادية متناحرة تتنازع على الموارد والنفوذ، مما يعني دخول البلاد في حالة تفتت تدريجي يفقدها سيادتها ويحولها إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح بالوكالة.
المسار الثاني «إنقاذ الجوهرة»: ويتمثل في نجاح الحكومة العراقية في تحويل التهديد إلى فرصة، من خلال فرض سيادة القانون وحصر السلاح بيد المؤسسة العسكرية الرسمية (القائد العام للقوات المسلحة)، مستفيدة من الدعم الدولي والاتفاقيات الاقتصادية الثنائية مع واشنطن لبناء اقتصاد مستدام. هذا المسار يتطلب إخراج الجوهرة من يد «الفحام السياسي» ووضعها في إطار دولة المؤسسات المواطنة.
إن مستقبل العراق الموحد معلق اليوم بمدى قدرة نخبته الحاكمة على استيعاب تحذيرات «بلقنة روبيو»، وتطهير إدارة مقدرات البلاد من عقلية الفحام، لضمان البقاء كدولة ذات سيادة كاملة في محيط إقليمي مضطرب.
30 أيلول / سبتمبر 2026
منبر العراق الحر منبر العراق الحر