منبر العراق الحر :
في جنوب تونس، وعلى بعد أكثر من 530 كلم من العاصمة، تقع تطاوين المحافظة الأكبر مساحة في البلاد، والتي لا تزال تحافظ على هويتها الأمازيغية ويعتد سكانها بها وبمبانيها ذات الطراز المعماري الفريد.
تطاوين أو تِطَّاوين وتلفظ بكسر التاء وفتح الطاء المشددة تعني مدينة “عيون الماء”، بحسب لغة الأمازيغ الذين يشكلون جزءاً مهماً من النسيج السكاني لهذه المحافظة.
إلى هذه المحافظة التي تتميز بطقسها الحار والمنفتحة على الصحراء، اختار السكان الأصليون “الأمازيغ” الهروب من كل القوى الاستعمارية للاختباء بعيداً من كل يد تطالهم وتسعى لطمس هويتهم ليوجدوا طرازاً معمارياً فريداً لا يزال صامداً رغم مرور مئات السنين، وقد شيدوه في أعالي الجبال فكانت الحصون التي تحميهم من كل غاز مستعمر.
تشتهر تطاوين بـ”القصور” التي صارت علامة مميزة للمحافظة ومقصداً سياحياً لكل زائر للمنطقة، سواء كان تونسياً أم أجنبياً.
والقصر هو بناية بسيطة أبدعها خيال سكان المنطقة قبل مئات السنين، متماهية مع الطبيعة المحيطة بها ومستمدة كل موادها منها.
وبُنيت هذه القصور على المرتفعات، وهي عبارة عن بناية من طبقات تضم غرفاً صغيرة فوق بعضها بعضاً، يصل ارتفاع الواحدة منها إلى 6 أمتار وعرضها بين 1.5 متر ومترين، وعادة ما يكون القصر في شكل مستطيل.
ويختلف عدد الغرف من قصر إلى آخر، وعادة ما يقارب عددها 200 أو 300 غرفة، مقسمة على طبقات قد تصل إلى ست.
تحتفظ بأسرارها
لا يعرف تاريخ محدد للقصور في تطاوين، وفق ما يؤكده المؤرخ منصور بوليفة لـ”النهار العربي”، مشدداً على أن كل الدراسات التي أنجزت للبحث في تاريخ هذه المباني لم تتوصل إلى كشف كامل أسرارها، لكنه يرجح أن تكون مأخوذة من العمارة اليمنية.

و”القصور الصحراوية” عبارة عن حصون أقامها الأمازيغ قبل نحو 900 عام هرباً من زحف بني هلال وبني سليم في أواسط القرن الحادي عشر، مثلما تشير إلى ذلك نقوش محفورة في سقف إحدى غرف “قصر زناتة” و”القصر القديم” في “المزطورية” على التخوم الصحراوية.
يتكون القصر من بوابة رئيسية مصنوعة من خشب النخيل تفتح على سقيفة، وهي عبارة عن ممر طويل صنع سقفه من خشب النخيل أيضاً يقود إلى ساحة واسعة رصفت أرضيتها بحجارة ملساء وتسمى “صحن القصر”.
وفي هذه الساحة التي تطل عليها كل الطبقات والغرف، كان أعيان القبيلة يجتمعون للسهر أو للنقاش وفض النزاعات.
المؤونة بأمان
أما غرف القصر المشيدة فوق بعضها بعضاً فيكون سقفها عبارة عن قبة تساهم في محافظتها على درجة حرارة معتدلة لا تتأثر بالمناخ الصحراوي المحيط بها، ما يمكّن سكانها من تخزين مؤونتهم طيلة العام من دون أن تتأثر بالرطوبة.
وتساهم القبة وفق النمط المعماري لقصور تطاوين في دفع أشعة الشمس بعيداً، أما التنقل بين الغرف فيكون عبر سلالم من الخشب.
جبلية وسهلية
وتصنف القصور وفق الباحث في الحضارة يوسف بن موسى إلى نوعين: قصور جبلية وقصور سهلية.
وشرح بن موسى لـ”النهار العربي” أن القصور ليست فقط تلك الصحراوية كما هو متعارف عليه، موضحاً أن القصور الصحراوية أو القصور الجبلية تتمركز حول الغار كوحدة سكنية، وأشهرها قصور الدويرات و”شنني” و”ڨرماسة” وسكانها أمازيغ يعيشون في الغار.
وثمة قصور السهل تسكنها القبائل العربية والمستعربة وأغلب وظيفتها الخزن مثل قصر “أولاد سلطان” و”قصر أولاد دباب”.
ويبلغ عدد القصور نحو 150 قصراً موزعة بين محافظتي تطاوين ومدنين جنوب تونس، لكن الكثير منها يعاني الإهمال، ما يهدد وجودها رغم قيمتها التراثية الكبيرة.

وزاد تصوير فيلم “حرب النجوم “في موقع عين الجمل القريب من قصور تطاوين في شهرتها، فباتت واحدة من المحطات الرئيسية التي يجب عدم تفويتها عند المرور بالمنطقة.
وتسعى تونس لتسجيل القصور الصحراوية ضمن لائحة اليونسكو، وأطلقت وزارة الثقافة التونسية خطة لترميم هذه القصور والمحافظة عليها.
وتحتضن المنطقة كل خريف مهرجاناً للقصور الصحراوية، وهو تظاهرة ثقافية فريدة تبرز نمطاً معمارياً مختلفاً شيده السكان الصحراويون وأطلقوا عليه تسمية “القصر”.
25 درجة صيفاً شتاءً
تتميز القصور بأنها قادرة على المحافظة على درجة حرارة لا تتجاوز 25 درجة، ويقول بوليفة: “درجة الحرارة داخل الغار مستقرة في حدود 25 درجة شتاءً وصيفاً”، ويضيف: “حتى خلال موجة الحر الأخيرة التي بلغت فيها درجات الحرارة معدلات قياسية كانت هذه المباني باردة ولم تزد حرارتها عن 25 درجة”.
ويشرح المؤرخ هذه الظاهرة بأن سكان المنطقة الأصليين الذين بنوا هذه القصور بحثوا عن مكان يستطيعون العيش فيه ويمكنهم من التأقلم مع بيئتهم “لأن الإنسان ابن بيئته، لذلك حفر سكان القصور سكنهم وسط الجبال حتى تحميهم من طقسها الصحراوي الحار”.
تونس-كريمة دغراش—النهار العربي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر