منبر العراق الحر :
( . ) كليوباترا في الأول المتوسط
أيام كانت كليوباترا طالبة في الأول المتوسط في إحدى مدارس الجوادر في مدينة الثورة، كانت زميلاتها من طالبات صفها يضحكن ويتهامسن وينظرن إليها نظرات لا يعرف معناها الفطري سوى الهواجس التي جعلتها تقلق من هذا الاسم، وبدا الاسم بالنسبة إليها مزعجاً، حين كانت مدرِّسة اللغة العربية تنادي عليها وهي تعيد دفاتر الإنشاء الى طالباتها بعد تصحيحها، (كليوباترا فنجان مهاوش)، وكانت تتساءل بعيون ضاحكة وترمق خجل كليوباترا وهي تنهض وسط ابتسامات زميلاتها المخفيّة خلف ملامحهن البريئة وأسئلتهن: لماذا اسمها لا يشبه أسماءنا؟
الأب رفض تغيير اسم ابنته، وكان يجيبها بما لا تفهمه: أنت صورة لإليزابيث تايلور التي أتمنى لها قيصراً يليق بها.
تردّ أمها الريفيّة: لا أعرف ماذا تقول وتقصد، ولكنك ستدمّر حياة البنت بهذا الاسم!
يرد فنجان: كيف تتذمّر والناس في المقهى ينادونني (أبوكليوباترا)، ولا ينادونني باسمي البائس(فنجان) الذي لصقه والدي بي. وما هو إلا آنية من خزف يُقرأ فيها البخت وتُصبُّ فيه القهوة في المآتم والمقاهي.
أما كليوباترا فهو الجمال الذي يشغل العالم القديم والحديث.
ولأن كليوباترا مازالت صبية، لم تشعر بهواجس الأب إلا عندما جاءت إليهم ذات يوم مشرفة اختصاص الاجتماعيات وانتبهت الى وجه البنت وقالت باستغراب: هذه البنت تشبه الممثلة الانكليزية إليزابيث تايلور، ما اسمك يا حلوة؟
ردت: كليوباترا.
ــ يا إلهي اسم على مسمى، هل تعلمين أن تايلور هي من جسدت شخصية كليوباترا أمام زوجها ريتشارد بريتون الذي لعب دور القيصر؟
قالت الصبية: أبي يقول كلامك نفسه.
إذن أبوك مثقف سينما وقد لحظ ذلك الشبه فأطلق عليك اسم كليوباترا، وحسناً فعل، تخيلي الأمر، قالت المشرفة للمدرِّسة المنذهلة من طبيعة الحوار بين المشرفة والطالبة: ملكة مصر الساحرة الجمال عادت الى الحياة لتعيش في مدرسة بشارع الجوادر في مدينة الثورة.
حكّت المدرسة رأسها مستغربة وهي تقول لنفسها: ربما هذه المشرفة عندها خيط مقطوع في عقلها.
نظرت المشرفة الى ابتسامة المدرِّسة وعرفت إحساسها فقالت لها: ربما لم تدخلي سينما في حياتك؟
ردت المدرسة بالقول: ولن أدخل.
قالت المشرفة: لهذا أنت لا تعرفين كليوباترا وإليزابيث تايلور.
أجابت المدرِّسة بشيء من الاستهزاء والمرح: كليوباترا أعرفها، تلك الطالبة ابنة فنجان أما إليزابيث تايلور فاعذريني لا أعرفها.
( . ) كليوباترا في الجامعة
كبرت كليوباترا ودخلت الجامعة في كلية الآداب ــ قسم اللغة انكليزية، وأصبح جمالها مضرباً للأمثال، تعجّب زملاؤها الطلاب الذين ولدوا في مناطق زيونة والمنصور والجادرية، كيف لمدينة فقيرة مثل مدينة الثورة أن تجنب فتاة تشبه في كثير من محاسنها إليزابيث تايلور التي كانت الأقرب شبهاً لملامح الملكة المصرية، ولهذا تقدم لها أكثر من طالب في السنة الأخيرة من الكلية، ولكنها رضيت بطالب فقير معها في القسم من أهالي الزعفرانية اسمه قيصر، فقال الطلبة الأغنياء: شبيه الشيء منجذب إليه، وقال البعض ربما لأن اسمه قيصر أرادته كليوباترا، لكنّها ردّت عليهم: إن قلبها من أراد وليس اسمها.
(. ) قيصر جندي في الحرب
تزوجت كليوباترا من قيصر، وزُفت برتل من عجلات الفولفو الخشبية القديمة من الجوادر حتى الزعفرانية، وعاشت مع قيصر سعيدة حيث تعيّنت مدرِّسة لغة إنكليزية في إعدادية الزعفرانية للبنات، فيما ذهب قيصر ليؤدي الخدمة الإلزامية جندياً في قاطع بحيرة الأسماك في البصرة يوم بدأت الحرب مع إيران.
ذات صباح بارد طرق الباب جندي برتبة نائب عريف، خرجت له كليوباترا، ليخبرها بعين دامعة أن زوجها قيصر موجود على نعش فوق السيارة وقد مزّقت خاصرته شظيّة مدفع إيراني.
أجابته بضحكة هستيريّة: لا أصدقك، أعد الجثمان الى أهله الحقيقيين، فقيصر الذي أمتلكه والذي هو زوجي إذا أراد أن يموت فإنه يموت بطعنة من خنجر بروتس في خاصرته، وليس بشظية مدفع .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر