منبر العراق الحر :
أجول في عمري السابق كمغترب على عربة رمادية،
وأجول في عمري اللاحق كسائح على بساط ريح أخضر،
ولا أصطحب معي أصابعي.
نملة عمري الحاضر بلا بيدر،
تتفقد سلامياتها كل يوم،
وهي تنقل قمحة الصباح إلى المساء،
وفي الليل تغط كفراشة البشارة على شباك ضوء.
يدي وردة الملامسة،
تفتّحت لتقطف الورود وتنزع الأشواك،
لتفتح قفل الريح لا لتلّوح لها.
أدخل اسمي كمستوطن أبدي وأغادره كفاتح مدحور.
أحمل دمي كخليتي نحل على شجرة تنفسي،
والنحلة – الملكة لا تبرح مكانها في صدري،
ولا تكف عن لسعي حين يحنّ العسل في شهدي لبل ريق وردتِكِ كي لا ينتحر غبار الطلع على شرفة الفراغ.
وحين تتوقف عربة التاريخ بسبب نضوب مبيض العطر سأبيع دمي وقودا، وحين تتوقف عربة الإله عن ملاحقة من يشتهيكِ سأبيع وجهي قطع غيار.
صحيح أنكِ لستِ كل الكون،
لكن بالتأكيد فيكِ سر الكون.
كم غابة ورثتْ عن وردتكِ شهوة الأسرار وشهوة التربع فوق خط الاستواء،
حيث تنتصب قامة الضوء،
حيث هطول السطوع على أشده والضغط العاطفي مرتفع.
هذا العالم وأنا،
على طرفي نفي،
على طرفي اتجاه،
أنفيه فأبدو نسغا كاملا،
وينفيني فأبدو نسغا ناقصا.
النفي -الغياب شرط وجزء من الحضور الكامل،
هكذا الله والإنسان.
٢
كل يوم
يأتي المساء
يملأ زجاجة الليل
ويفرغها الصباح
ويبقى العالم عالقا
في عنق الزجاجة…
*
المطر القروي لا رصيف له
أنا رصيفه الغارق في نشوة إنتاش
أحمله
كطفل مدلل وحيد
يزور المدينة الغارقة
في شهوة السهر
لينام على الرصيف…
*
حانة بكاء
وكأس ضحكة
بلا سقف هذا العالم
أنا والله نتبادل الأنخاب…
*
حانة تأمل
وكأس شرفة
رأسي يدق بكل السقوف العالية باستهتار
أنا والله نتبادل النظرات…
*
عيناك والحانة عامرة
والشعراء تحت ألسنتهم بحص كثير
والضباب حصير…
فمك كأس طري
والغصن سلافة كافرة
والعصفور شقي
والحجارة مقدسة
رأسي كرأس السنة يدق بسقف الأبد
أنا والشيطان نعدّ عشاء سريا لقبلة دسمة….
٣
أنا النهر
الذي يعرجُ على ضفة واحدة
لم يتسع البحر لي
فلذتُ بالرحمن الرحيم…
أنا الذي أبحث عن أزرق
بلا شواطئ
وأنا شاطئ وحيد
أرنو في وجه الماء
وبدل أن أرى وجه السماء
أرى وجهي المصفّح بالملح
كاعتذار من الحياة…
أنا النهر
في فمي ماء
لا أقدر أن أتحدث معكم
عن الضياع
ليس لدي في برية المجهول
وقتا ضائعا…
أنا النهر اللجوج أحفر مصبي بيدي…
أنا الجسر الذي
أغوته الضفاف الشهية
كيف صرتُ نهرا
في مجرى العبور
وعاقبني الله
على وقفة الفلوج
بدل الزحف على بطني
كنهر
لا يحب مجاري الولوج…
أنا النهر
الذي حمل ظهره
على نحره
وقفز كشلال
حين قطعتْ سكين الرعشة يديه
وسقط
كصوت إسعاف
ولم يسعفه سوى الطوفان…
أنا النهر
الآرامي
الكثير
لقد قبّ ضلعي يسوع
بحثا عن ينبوع
عذب
وخانتني السواقي
مقابل حفنة من الماء…
منبر العراق الحر منبر العراق الحر