بعض طقوس آخر يوم في مراكش*…. نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :
حين قرأت كتاب ايتاليو كالفينو مدن لامرئية ، وفي اول انطباع ادركت أن المدن اجمل الأحساس الذي يتملكها هو رغبتها لتمنح الرحالة الذين يترحلون في روحها وحوماتها والاسواق بشهية الوصف والمشاهدة والانبهار رغبتها أن تمنحهم جنسيتها ، وهذا ما اراد أن يفعله خان المغول قبلاي خان مع الرحالة البندقي ماركو بولو ليكرمه بوظيفة مهمة في الحكومة الصينية ، لكنه تركها ليكمل سفره الى مجاهيل اسيا ، فقد فتنتهُ الوجوه المنغولية ، وتخيل كيف لبربري مثل جينكزخان أن يغزوا العالم بصلابة وقساوة ما عنده من رجال محاربين ، واشعر أن الأمر نفسه في التكريم تكرر مع ابن بطوطة ، فقد كرمه الكثير من الملوك والولاة ، لكنه فضل أن يكمل رحلته الى جهات الدنيا ومدنها ، ولكنه عاد الى فاس ، ولكنه لم يخترها لابديته ، بالرغم من انه تم تكريمه من قبل سلطانها أبي عنان (من ملوك بني مرين) فأقام في بلاده زمنا . وأملى أخبار رحلته على محمد بن جزي الكلبي بمدينة فاس سنة 756 هـ ، وسماها (( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )) ، لكن أهل طنجة شعروا بأنهم الأحق في عودة رحالتهم اليهم فدعته الالسنة والمكاتيب وعاد ليموت فيها ،واليوم قبره المفترض هو من بعض المزارات لأهل طنجة وزوارها ويقع في المدينة القديمة .
وقبلها كان يفكر ربما أن يكون مستقره مدينة مراكش حيث اقام فيها ، لكن هذا المكوث أرعبه اذا كانت المدينة مكتئبة وحزينة وتودع قوافل من ابنائها كل يوم عندما تفشى فيها وباء الطاعون .وأشعر إن ابن بطوطة قد ودعها ولم يستفد من فتنة ضوء صباحاتها الاحمر ، ولهذا فأن خواطر الترحال من اجل هذه المدينة لديه قليلة .أما أنا فقد الهمتني غزارة الوصف ومتعة الكلام وجئت اليها في زمن نشوتها وغرامها وامتلاء أسواقها ، وحسن الضيافة في حماماتها وفنادقها ومقاهيها، فكانت مدينة من بهاء الخيال أن ترفعها الى مستوى رسم احلامها والكتابة عن معمارها وجغرافيتها واحلامها ، كما فعل كالفينو مع مدنه التي لا تُرى ، ليأتِ ظل خطوتي وما اكتبه في دفتر ملاحظاتي مع كل صباح مراكشي تأملت في شمسه هاجسا لرؤية المدينة الحمراء وهي تسكن عاطفة النظر والكتابة ،وأذكر اني تعرفت على زائر لمكتبة القادرية مولع بتاريخ مدينته فيأتي بين الحين والحين ليفتش إن كان هناك الكتاب الجديد عن مراكش حيث يمكنه ان يستلهم رؤية جديدة عن مدينة ، وقد قال لي مرة في مجاملة الحديث :انتم في العراق تمتلكون مدنا تمتلك مرجعات ميثولوجية مختلفة ، لأن الغزو الحضاري الغريب لبلادكم كان متعددا ومختلفا .أما نحن تطغي على اساطيرنا صورة الامازيغي وهو يمسك الحجر الازرق ليصنع من اسرار ضوءه وتأثيره الخفي افكاره وعقائده وطقوسه ، اما الذيم جاءوا الينا غزاة من الافرنج والبرتغاليين والاسبان والترك، فهم لم يمنحونا ميثولوجيا تعود اليهم عدا بعض بقايا الاثر في الحجر .وما منحوه لنا بعض عادات السلوك والتحديث والمعاصرة . لهذا ما تكتشفه في مراكش انما هو صنيعة التراث القديم لمدن الاطلس وواحات الصحراء ومن فكر ببنائها من الأمراء المرابطين . واتذكر أنني قبل أن اضعها في خرائط سفرياتي قد توجهت لأعرف لحظة بنائها وانا اتذكر ماركو بولو في لحظة تخيله المدن الذي سيذهب عليها ، فحتى تعرف شيئا عن المدينة التي تذهب صوب جهتها عليك ان تتخيل لحظة بنائها ، وانت تدرك أن مدينتك أور التي نقلت منها خطواتك صوب مدن الدنيا ، فأن اول طابوقة فيها كانت قد وضعتها الالهة، ثم اكمل الملوك بنائها هي وحاراتها وزقورتها ومعابدها وحاناتها وبواباتها .
فأعود الى كتب التأريخ لأستعيد لحظة بناء مراكش ،وكأنني اقارنها بلحظة بناء أور ، لكن الفرق أن أور مصنوعة بأساطير وطين وقصص الطوفان فأقرا عنها أنها :
تأسست المدينة في عام 1062، من قبل أبي بكر بن عمر اللمتوني، زعيم وابن عم ملك المرابطين، يوسف بن تاشفين، عاصمةً للإمبراطورية المرابطية. ة كانت المدينة ( مراكش ) واحدة من أربع مدن إمبراطورية في المغرب في القرن الثاني عشر الميلادي ، حيث بنى المرابطون العديد من المدارس الإسلامية (مدارس قرآنية ولغوية ) وكذلك بنوا المساجد التي كانت تحمل طابعًا أندلسِيًا في معمارها وزخارفها ومحاربيها . وقد أعطت الجدران الحمراء للمدينة التي بناها علي بن يوسف بن تاشفين في 1122-1123، حيث أن مختلف المباني شُيدت من الحجر الرملي الأحمر خلال هذه الفترة ، فحملت المدينة لقب «المدينة الحمراء». ثم نمت وتوسعت مُراكش بسرعة، وترسخت مكانتها كمركز ثقافي ديني وتجاري للمغرب الكبير وأفريقيا في جنوب الصحراء الكبرى. وكانت ساحة جامع الفنا هي الساحة الأكثر ازدحامًا في أفريقيا، وواحدة من مراكز التسوق في القارة.
أشعر أن ابن بطوطة غادرها حزينا ،وعكسه أنا سأغادرها ، وومعي تعيش لحظة فرح انني سأعود اليها ومعي قناعة أن ميثولوجيا واحدة تكفي لصناعة مدينة ساحرة مثل مراكش ، والرجل الذي وجدته في المكتبة القادرية يقول لي : انا ارى في مراكش ما لا تحتاجه من الغد ، فبأمكان المدن الحالمة أن تخلق اساطيرها الجديدة كل يوم وتصنع لهلها أفاقا جديد لمستقبل زاهر.
اصدق الرجل ، وانا ارى في قوله ما يثبت أن المدينة تجدد صباحها كل يوم وتبتكر لها مواسما سياحية وموسيقية وسينمائية وتراثية وحتى عروض الازياء ، وانا اسمع من رجل المكتبة ما يقوله عن مراكش انها مدينة تتحرك صوب الضوء دوما لتشعر انها مدينة ملونة بالبهجة والفرح والحلم.
هذا الضوء الذي يؤثر في الروح قبل العين هو ما تصنعه المدن التي تحاول أن تؤسس وجودها من اسطورتها هي ، ولاشأن لها بكل الاساطير الآتية اليها حتى لو كانت ليلة خرافية لعرض ازياء لسانت لوران عندما يخبرني الرجل اثناء تعريفه أن مدينة مراكش تستقبل اشياء العالم الجديدة لتقدمها بطريقتها الخاصة ، لهذا فأن اغلب مواسمها ترتدي ثياب امازيغ قرى الجبال وواحات الصحراء والمدينة التي بنها الرمل وعزف الموسيقى ونبؤات كاهنات معابد القرى قبل ان يجيء الاسلام وتبنى الجوامع ..
*مقطع من كتاب معد للطبع .

اترك رد