منبر العراق الحر :
يعجبني كثيرا الفنان كاظم الساهر لأنه في أوج تألقه ونجاحه وشهرته التي أطبقت الآفاق العربية وبلغت العالمية، لن يتردد بذكر كبار الموسيقيين والمطربين العراقيين الذي هم من الرواد أو أبناء جيله، وهكذا تجده في جميع لقاءاته على الفضائيات أو المنابر الإعلامية الأخرى، لن تغيب عن ذاكرته أسماء زملائه من السابقين أو المعاصرين فيوجه لهم التحيات ، أو يذكرهم بإطراء يتصل بما قدموه من انجاز موسيقي أو غنائي .
تلك الظاهرة التي تمثل فكرة الجزء يمثل الكل وفق المنهج البنيوي، برع فيها المصريون عندما يتحدث أحد كبارهم بالإعلام أو الموسيقى أو الأدب ويسألونه عن بعض الأسماء فلن يتردد عن وصفهم بالإستاذ الكبير أو الفنان المبدع حتى وإن كان على خلاف معه ، فهو ينطلق من ادراك المشترك الفني بينه وبين الآخر ، وما يحمل من مشاق ومعاناة وتأثير ومكانة في بقية الأوساط، والموضوع نفسه تجده لدى المفكرين المصريين ويصل حتى لدى السياسيين رغم اختلاف الإنتماء والأهداف .
الاشكالية لدينا في العراق تتمثل في تضخم الذات لدى عددا من الشباب الأدباء وبعضها عند كبار السن أيضاً ، ومتى وجد نفسه محط اهتمام الإعلام والتميز ، تراه يذهب بعيداً في شطب أسماء وعناوين راسخة في الذاكرة العراقية وتضاريسها المتعددة، والأنكى أن بعضهم يقفز لأعلى درجات السلّم الإبداعي في تاريخ المبدع وانتاجه العالمي الذي حظي بعشرات الدراسات والترجمات إلى اللغات العالمية، بينما يأتي صاحبنا ليحاكمه وفق شرط الاختلاف السياسي أو الطائفي، ولايكترث لحمل التاريخ وقيم الإبداع ، بل يرمي إلى الاندكاك باللحظة السياسية الراهنة، ووفق معيارية الإبداع والتجربة ربما هو في طور الحيمن في عالم الابداع ، أو يحبو في تهجئة طرق الوصول لحدود الابداع الدنيا التي يتساوى فيها مع العنوان أو الرمز الأبداعي الكبير الذي تتم مهاجمته بعناوين سطحية، بعيدة عن واقع وتفاصيل حياتهم الابداعية والنفسية واختلاف الظروف ووجهات النظر من جيل لآخر !
أميون كثر هاجموا السياب وهو رائد مدرسة الشعر الحديث، وآخرين وصفوا البياتي بالأمية الابداعية، وغيرهم شتموا الشاعر سعدي يوسف صاحب أكبر انجاز شعري وترجمة لأكثر من نصف قرن، اسباب عديدة تدفع بهؤلاء الشباب في لحظات النزق الثقافي أو الأدبي أو الانفعال الطائفي وهو المعيار الدخيل في زمن الوهم الديمقراطي، لكن في النتيجة يبقى الأثر الإبداعي هو المقياس، إما اللحظة السياسية ففي حكم الزوال ومحاكمتها ونقدها في مكان آخر ، وليس ميزان الإبداع والثقافة .
نعم لاشيء مقدس في عالم الإبداع والثقافة والفكر ، لكن ثمة معايير ينبغي أن تكون حاضرة في ممارسة النقد مع تفهم عميق للتجربة المراد قراءتها وتحليلها ، بعيدا عن البهرجة اللفظية والثقافية ومنطق خالف تعرف !؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر