منبر العراق الحر :
مرة في غرناطة حيث للزمان صدى ، ولصدى عود زرياب ضرب من الشوق يقلده بإتقان الحنين أوتار عود صديقي ( سامي نسيم ) عندما أهدانا ذات يوما قرصا مُدمجا لمقطوعات يعزفها وأهم ما فيها عزف منفرد للطور على ألة عود صنعها عواد بغدادي ( محمد فاضل ) ولد في ذات المحلة التي سكن فيها زرياب في زمن العباسيين قبل اكثر من الف ونصف وأسم الطور هو ( الشطراوي ).
مرة في واحدة من مدن الأندلس وجدت غجرية تجلس على دكة بيت مهجور ولكن الورد يعاود الظهور كل ربيع في جرار الفخار يسقيها المطر وترمي اليها العصافير ذرات تراب .
وأنا أتأمل البيت قي صمت واحسد الورد على ظهوره السنوي دون يد تسقيه وتعتني فيه .
اقتربت تلك الغجرية الممشوقة طولا ووشما بصورة سيف مرسوم على طول انفها.
قالت :هذا البيت سكن فيه لوركا لأكثر من عام . وجدتي ( فاخارية ) هي من تنبئت له وكنا جالسين على ناصية هذا البيت حين قرأت كف يده وقالت :احذر بنادق الجنود واذهب لتسكن في معاطف الغجر ،هم يحبوك لأنك تحبهم .
لكن الشاعر لم يستمع الى نبوءة جدتي ،فأتى الجند وسحبوه وقتلوه من دون قبر وشاهده ، ومازلنا نحن الغجر والى اليوم هُم من يبحث عنه اكثر من الدولة والملك والشعراء.
قالت : هل تريد ان اقرأ لكَ كفك … ؟
قلت : كلا كفي وكف شغاتي مقروءة منذ أزمنة شبعاد وسرجون وشولكي.
قالت : من هؤلاء ؟
قلت : ملوك من سومر حيث السحر الأول.
قالت :ولكني اعرف أن السحر اكتشفه اجدادي في الهند.
قلت : سومر قبل الهند روح السحر.
قالت :انت تقول .؟
قلت : نعم انا اقول .
بين قولها وقولي يمر رجلان يعزفان ومعهما امرأة ترمي الورد بأحضان الجالسين ، والجالسون يرمون اليها قطعة نقد .
تعود بي ازمنة عرافة أتت مع اهلها بمشحوف تركبُ اسنانا ذهبية للمعدان وتداوي بالسحر وبالأعشاب ما كان يشعر فيه اهل القرية من كوابيس وحسد وانتفاخ بعض بطون الاطفال .
اجلسناها في الادارة ، وبين من يمزح ومن يصدق مد المعلمون اكفهم لتقرأ لهم بخت وطالع ايامهم القادمة ، وحين مد شغاتي يده ، فزعت من خطوط يديه وتداخلاتها.
قلت لها : هذا رجل بسيط وليس سندباد حتى تصفني مع يده كثيرا ، فمهما تقولينه لن يمتُ اليه بصل لأن طموحه راتب وجاموسة ، وخطواته لا تبتعد عن القرية إلا حين يذهب ليجلب لنا قرطاسية المدرسة من الناصرية.
لم تلتفت اليَّ بل امسكت بقوة بيده وظلت تمتم بشيء لا نفهمه.
ارتعش شغاتي وقال : استاذ ماذا تقول هذه المرأة ؟
قلت : تقرأ ما وراءك وما قدامك.
فزع شغاتي وقال : اسألها ما هو امامي وما هو قدامي .؟
سمعته ، قالت : له اسكت ، واحذر من واحد من جبهة حرب يأتي يأخذ منك نصف القلب.
قال :وما علاقتي بالواحد اخبرها اني دخلت في الستين من عمري وعلى ابواب التقاعد.
قالت :نصف قلب.
قال : لم افهم .؟
الآن وانا استمع لغجرية في غرناطة وهي تتحدث عن نبوءة جدتها للوركا .تخيلت رعشة يد شغاتي ، فقد كانت العرافة الغجرية تقصد ان الواحد هو الحرب .وان نصف قلبه هو ولده الكبير الذي قتل فيها بجبهة كيلان غرب……..!
منبر العراق الحر منبر العراق الحر