منبر العراق الحر :
في حديث الجولاني مع قناة العربية، بدت كلماته مدروسة وموجهة نحو رسم صورة لإدارة سورية جديدة متماسكة، تُحاول تقديم نفسها كبديل سياسي قادر على تجاوز إرث الصراع والدمار. حديثه تناول قضايا مثل إعادة الإعمار، المصالحة الوطنية، والانتقال السياسي، مؤكدًا على ضرورة بناء دستور جديد خلال ثلاثة سنوات ويكون دائم. ه وتنظيم انتخابات شفافة، مع إقرار صريح بتعقيدات المرحلة ومتطلباتها.
الجولاني أبدى حنكة في التركيز على الملفات التي تُظهر انفتاحًا واستعدادًا لتجاوز المرحلة الراهنة، مثل الحوار مع المكونات الكردية، والإشارة إلى ضرورة إزالة العقوبات الاقتصادية، وإعادة هيكلة العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية، لكنه، في الوقت ذاته، اختار بعناية ما يجب الحديث عنه وما يجب تجاهله.
الجولاني ركّز على ضرورة التنمية الاقتصادية وإعادة بناء سوريا كدولة متماسكة تخدم جميع مكوناتها، متجنبًا التصعيد السياسي، ومؤكدًا على أهمية الاستقرار الداخلي والانفتاح على القوى الإقليمية كالسعودية. كما أشار إلى ضرورة إيجاد حلول عملية لأزمات شمال شرق سوريا، بما في ذلك التفاوض مع “قسد”، واستيعاب القوات الكردية في إطار وزارة الدفاع السورية. حاول أيضًا طمأنة المجتمع الدولي، موجهًا رسالة بأن سوريا الجديدة لن تكون مصدر تهديد لأحد، مشددًا على إدارة المرحلة الانتقالية بعقلية الدولة.
“*الجولاني يتحدث عن المستقبل ويتجاهل الجولان وأولويات كبرى أم حسابات سياسية أخرى*؟”
ورغم هذا الطرح المتوازن، غابت عن حديث الجولاني القضايا الكبرى التي تمس جوهر السيادة السورية، وهي الاحتلالات الخارجية التي تنهش في جسد الوطن. لم يتطرق الجولاني إلى الجولان المحتل من قبل إسرائيل، وكأنه ملف مغيب عن الأولويات الوطنية، رغم أنه رمز للكرامة السورية وحق سيادي غير قابل للتفاوض.
كذلك، تجاهل الحديث عن الاحتلال التركي لمناطق واسعة في شمال سوريا، والتدخل العسكري والسياسي الذي يقوض سيادة البلاد، وهو ما يُثير التساؤلات حول موقف إدارته من التدخل التركي.
أما عن الوجود الأمريكي في حقول النفط السورية واستغلالها لموارد البلاد الاستراتيجية، فقد غاب هذا الملف تمامًا عن طاولة النقاش، مما يترك انطباعًا إما بالحرج أو بعدم وجود استراتيجية واضحة للتعامل مع القوى الكبرى التي تستغل مقدرات سوريا.
*قراءة في الصمت*
تجاهل هذه القضايا الحساسة قد يعكس إدراكًا لتعقيدات المرحلة الراهنة، ورغبة في تفادي التصعيد مع القوى الإقليمية والدولية التي تحتفظ بنفوذ على الأرض السورية. لكنه، في الوقت ذاته، يثير قلقًا مشروعًا حول أولويات الإدارة الجديدة، وما إذا كانت قادرة على تحقيق سيادة وطنية حقيقية وشاملة.
الصمت عن الجولان والاحتلالات المختلفة يبدو وكأنه محاولة لتجنب الخوض في ملفات معقدة قد تُحرج القيادة الجديدة أمام داعميها الإقليميين والدوليين، أو قد تكشف عن عجزها في تقديم حلول عملية. ومع ذلك، فإن تجاهل هذه القضايا، مهما كانت مبرراته، يضعف مصداقية المشروع السياسي الذي يسعى الجولاني لتسويقه، ويثير الشكوك حول مدى التزام هذه الإدارة بتحقيق استقلال سوريا الكامل.
كاتب سياسي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر