حينَ صارَ الحبُّ مرئيًّا …. بقلم: رانية مرجية

منبر العراق الحر :

لم يبدأِ اللهُ بمحبتِنا
عندَ الصليب.

فالمحبَّةُ
ليست فعلًا يطرأ،
ولا قرارًا يتبدَّل،
ولا عاطفةً تعبر.

المحبَّةُ
هي طبيعةُ الله.

ومنها خرجَ النور،
وتعلَّم الزمنُ
أن يبدأ.

حينَ خلقَ الإنسان،
لم يرفعْ من الترابِ
جسدًا وحسب،

بل نفخَ فيه
قابليَّةَ الأبد.

ولهذا
يبقى في القلبِ
فراغٌ
لا تملؤهُ الأرض،
لأنَّهُ خُلِق
على هيئةِ اللقاء.

ثمَّ أخطأ الإنسان.

ولم يكنِ السقوطُ
خروجًا من جنَّةٍ فحسب،

بل خروجًا
من معرفةِ المحبَّة.

ومنذُ ذلكَ اليوم،
صارَ الإنسانُ
يخافُ
مِمَّن كانَ
يبحثُ عنهُ.

لكنَّ اللهَ
لم يتراجعْ خطوةً واحدة.

فالذي أحبَّ
قبلَ الخليقة،
لم يتعبْ
بعدَ الخطيئة.

ولذلكَ
لم يُرسل فكرةً،
ولا وصيَّةً أخرى،
ولا برهانًا جديدًا.

بل جاءَ بنفسِه.

في المسيح،

صارَ اللهُ
قريبًا
إلى حدِّ
أنَّهُ شاركَنا
الجوعَ،
والتعبَ،
والدمعَ،
والموت.

لا لأنَّ ضعفَنا
أصبحَ ضعفَه،

بل لأنَّ محبَّتَه
رفضتْ
أن يبقى ضعفُنا
بلا رفيق.

ثمَّ ارتفعَ الصليب.

ولم يكنْ
عرشًا للألم،

بل منبرًا
أعلنتْ عليهِ
المحبَّةُ
حقيقتَها الأخيرة.

هناك…

لم يتغيَّرْ قلبُ الله.

هناك
انكشف.

وصارَ ما كانَ
مستورًا في الأزل،
مرئيًّا
في الزمن.

كانَ الدمُ
لغةً
لم يعرفْها الإنسانُ من قبل.

لا لغةَ انتقامٍ،

بل لغةَ بذل.

وكانتِ الجراحُ
أبوابًا
دخلتْ منها
الرحمةُ
إلى تاريخِ البشر.

ثمَّ جاءَ الفجر.

ولم تكنِ القيامةُ
عودةَ جسدٍ
إلى الحياة.

بل عودةَ الحياةِ
إلى كلِّ شيء.

ومنذُ ذلكَ الصباح،

لم يعدِ القبرُ
الكلمةَ الأخيرة،

وصارَ الرجاءُ
ينمو
حتى في التربةِ
التي دفنتْ أحلامَها.

لهذا

كلُّ غفرانٍ
هو قيامة.

وكلُّ رحمةٍ
امتدادٌ للصليب.

وكلُّ إنسانٍ
ينهضُ
بعدَ انكسارِه،
يشهدُ،
ولو بصمت،
أنَّ الموتَ
لم يعدْ
سيِّدَ الحكاية.

لا أبحثُ عن اللهِ
في المسافات.

أراهُ
حينَ يغلبُ العفوُ
الانتقام.

وحينَ يفتحُ الحبُّ
بابًا
أغلقهُ الخوف.

وحينَ يختارُ قلبٌ
أن يباركَ
مَن جرحَه.

هناك…

يواصلُ اللهُ
عملَ الخلق.

وإذا سألني أحدٌ:

متى أحبَّ اللهُ الإنسان؟

لن أقول:

حينَ ارتفعَ الصليب.

بل سأقول:

الصليبُ
لم يكنْ
بدايةَ المحبَّة،

بل ظهورَها.

فالآبُ
لم يبدأْ
يحبُّنا
يومَ الفداء.

نحنُ
الذين بدأنا،
ببطءٍ،
نفهمُ
أنَّنا
كنَّا محبوبين
منذُ الأزل.

وهكذا…

إذا ضلَّ الإنسانُ،
لا يضيعُ من قلبِ الله.

وإذا أنكرتْهُ
الطرقاتُ،
تعرفُهُ
الرحمة.

وإذا أثقلتهُ
سنواتُه،
يحملهُ
الذي حملَ الصليب.

فالحكايةُ،
من أوَّلِها
إلى آخرِها،
ليستْ حكايةَ
إنسانٍ
بحثَ عن الله،

بل حكايةُ
إلهٍ
لم يتوقَّفْ
عن البحثِ
عن الإنسان.

وهذا هو الفداء:

أنَّ المحبَّةَ
التي كانت
تنبضُ في قلبِ الله
منذُ الأزل،

دخلتِ التاريخ،
وسارتْ بين البشر،

حتى صارَ للحبِّ
وجهٌ،
واسمٌ،
وجراحٌ،
وقيامة.

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

 

اترك رد