منبر العراق الحر :
الحديث عن قدرة العراق على الاعتراض على حضور شخصيات مثيرة للجدل، مثل الجولاني، أو حتى إلغاء القمة العربية إذا ما نُقلت إلى مصر، يبدو كأنه تجاهل لحجم التحديات التي تواجهه. العراق اليوم ليس في موقع يسمح له برفض أو فرض أجندات إقليمية، بل إنه يواجه ضغوطات هائلة من الداخل والخارج، تجعله مضطراً للتعامل مع المعادلات السياسية بحذر، لا بروح التحدي أو المغامرة.
العراق يعاني من تعقيدات تفوق قدرة أي حكومة على اتخاذ مواقف راديكالية تتحدى التوازنات الدولية. فهل يُعقل أن يُطلب من العراق موقف صارم ضد شخص أو دولة، بينما القوى الكبرى في المنطقة نفسها لا تتخذ خطوات مشابهة، رغم استقرارها النسبي سياسياً وإقتصادياً؟ الدول التي تتمتع بهوامش حركة أوسع وتعيش أوضاعاً مستقرة لم تخرج عن السياق الدولي، ولم تجرؤ على اتخاذ قرارات ضد التيار الأمريكي حتى في عهد ترامب، فكيف نطالب العراق بذلك الآن؟
أن التغيرات الجارية في منطقة الشرق الأوسط ليست فقط نتيجة لمخططات أو قرارات أمريكية، بل هي ايضاً انعكاس لعوامل داخلية وإقليمية متشابكة. بمعنى آخر، لا يمكن اختزال ما يحدث في فكرة “المؤامرة الأمريكية”، لأن هناك تحولات داخل الدول نفسها، سواء من حيث التغيرات السياسية، أو الصراعات الداخلية، أو المصالح الاقتصادية والجيوسياسية التي تحكم علاقات الدول ببعضها.
أن السياسة الدولية لا تُحكم بالشعارات أو المواقف العاطفية، بل تُبنى على المصالح. وبالتالي، لا يمكن للعراق أن يتصرف كأنه لاعب منفرد يفرض شروطه أو يعزل نفسه عن الواقع، بل هو جزء من شبكة معقدة من العلاقات والتوازنات الإقليمية والدولية التي تحكم قراراته وتحدد خياراته.
أما فيما يخص انعقاد القمة، فمن غير الواقعي أن يُتوقع من العراق إلغاؤها أو حتى رفض شخصيات معينة، خاصة إذا كان القرار جماعيًا وليس بيده وحده. الاعتراضات السياسية أو الأخلاقية، رغم مشروعيتها، لا تغيّر من حقيقة أن بغداد اليوم لا تملك رفاهية اتخاذ قرارات صدامية دون حساب العواقب. إن أقصى ما يمكن للعراق فعله هو المناورة السياسية، وليس المواجهة المباشرة مع القوى الدولية والإقليمية التي تتحكم بمخرجات القمة وأهدافها.
إن المزايدات الإعلامية التي تطالب العراق بمواقف متشددة تتجاهل حقيقة وضعه الحرج. قد يكون من السهل المطالبة بالمواقف الحادة، ولكن الأصعب هو التعامل مع تداعياتها، خاصة عندما تكون الخيارات كلها محكومة بالتوازنات الدقيقة، وليس بالرغبات أو المواقف العاطفية.
كاتب سياسي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر