الظواهر الصوتية في شعر محمود درويش قراءة بلاغية أسلوبية في تشكيل المعنى ..بقلم: ربى رباعي

منبر العراق الحر :

لم يعد الشعر الحديث مجرد تعبير لغوي أو بناء دلالي قائم على الصورة والرمز، بل غدا فضاءً تتداخل فيه المستويات الصوتية مع المعاني لتشكّل تجربة جمالية مركّبة. ويبرز شعر محمود درويش بوصفه أحد أهم النماذج التي أعادت تعريف العلاقة بين الصوت والمعنى، حيث تحوّل الإيقاع من عنصر تابع للوزن إلى بنية دلالية فاعلة تسهم في إنتاج المعنى وتوجيه التأويل.
لقد تجاوز درويش المفهوم التقليدي للموسيقى الشعرية، فلم يعد الوزن العروضي هو الحامل الوحيد للإيقاع، بل صار الصوت نفسه—بكل تجلياته من تكرار وتنغيم وصمت—جزءًا من نسيج الدلالة. وهذا ما يجعل قصيدته فضاءً سمعيًا بقدر ما هي فضاء لغوي.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى الصوت في شعره بوصفه طاقة تعبيرية تحمل الانفعال وتُنتج المعنى، وهو ما يلتقي مع تصورات رومان ياكوبسون حول الوظيفة الشعرية، حيث يتركز الخطاب على ذاته، ومع تأويلات بول ريكور التي ترى في النص فائضًا دلاليًا مفتوحًا على قراءات متعددة.
من أبرز الظواهر الصوتية التي تتجلى في شعر درويش ظاهرة التكرار، التي تتحول من مجرد إعادة لفظية إلى بنية إيقاعية تحمل دلالة. ففي قوله:
“على هذه الأرض ما يستحق الحياة”
يتحوّل التكرار إلى إيقاع تصاعدي يرسّخ المعنى ويمنحه طابعًا إنشاديًا جماعيًا، كأن الصوت هنا لا يعبّر عن ذات فردية بل عن ذاكرة جمعية تبحث عن الثبات والاستمرار.
كما يظهر التناغم الصوتي بوضوح في مقاطع الحنين، مثل:
“وأحنّ إلى خبز أمي / وقهوة أمي”
حيث يتكرر الصوت الأنفي (الميم والنون) ليخلق إحساسًا بالدفء والحميمية. هنا لا يكون الصوت مجرد وسيلة نقل، بل يتحول إلى تجربة حسية تستدعي الذاكرة وتعيد تشكيلها.
أما في نصوص أخرى، فيلجأ درويش إلى تفكيك الإيقاع التقليدي، كما في قوله:
“سجّل! / أنا عربي”
حيث تتسم العبارة بالقصر والحدة، ويؤدي الوقف دورًا أساسيًا في خلق صدمة صوتية تفتح المجال لتأويلات متعددة. الإيقاع هنا ليس زخرفًا، بل تعبير عن توتر وجودي وسياسي مكثف.
وفي مقابل هذا التوتر، نجد نماذج من الموسيقى الداخلية الهادئة، مثل:
“ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا”
حيث يتحقق الانسجام عبر تآلف الحروف وامتداد الحركات الصوتية، مما يخلق إيقاعًا يوحي بالأمل والاستمرارية. وكأن الزمن نفسه يتمدد داخل العبارة.
ولا يقل الصمت أهمية عن الصوت في تجربة درويش؛ فالوقفات والفجوات النصية تشكّل جزءًا من البنية الإيقاعية، حيث يُنتج الصمت فراغًا دلاليًا يدعو القارئ إلى المشاركة في بناء المعنى. إن الصوت عنده ليس حضورًا فقط، بل حضور وغياب في آنٍ واحد.
وعند تأمل هذه الظواهر في ضوء التجربة الشعرية الأوسع، يمكن القول إن الصوت في شعر درويش يتحول إلى تمثيل للهوية، إذ يصبح الإيقاع أثرًا للذاكرة الفلسطينية، وتغدو القصيدة مساحة يتداخل فيها الذاتي والجماعي.
وإذا قارنا هذه التجربة مع شعراء آخرين، نجد أن نزار قباني يميل إلى بساطة موسيقية وتكرار مباشر يخدم العاطفة، بينما يتجه أدونيس إلى تفكيك الصوت وإنتاج غموض تجريدي. أما درويش، فيحقق توازنًا لافتًا بين الإيقاع والتركيب، حيث يوظّف الصوت لخدمة المعنى دون أن يفقده كثافته الجمالية.
في المحصلة، يكشف التأمل في الظواهر الصوتية في شعر محمود درويش عن وعي جمالي عميق، يجعل من الصوت أداة مقاومة بقدر ما هو أداة تعبير. فقصيدته لا تُقرأ فقط، بل تُسمع وتُحسّ، وتظل مفتوحة على تأويلات متعددة بفضل هذا الغنى الصوتي.
إن دراسة الصوت في هذا الشعر لا تُضيء جانبًا شكليًا فحسب، بل تكشف عن جوهر التجربة الشعرية ذاتها، حيث يتداخل الإيقاع مع الهوية، ويتحوّل الحرف إلى أثر حيّ للذاكرة والوجود.

اترك رد