أيبقى العراق مستباحًا؟ فلاح المشعل

منبر العراق الحر :
تدور حرب إقليمية تدخل شهرها الثاني، وتتجه نحو اتساعٍ مضطرد في رقعة النار والدمار. أطرافها صواريخ إيران، في مواجهة آلةٍ عسكرية تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل، تتداخل فيها حسابات الطاقة من نفطٍ وغاز، وتتصارع ضمنها أهداف استراتيجية وسياسية واقتصادية، تسعى كل جهة من خلالها إلى ترسيخ هيمنتها الإقليمية وكسب معادلة الحرب.
لسنا هنا بصدد تحليل إرادات تلك القوى أو ترجيح كفّة المنتصر فيها، بقدر ما ننشغل بالسؤال الأكثر إلحاحًا: أين يقف العراق في خضمّ هذه المواجهة؟ وكيف يُعاد تعريف موقعه بين إرادتين متصارعتين تمارسان انتهاكا مباشرًا لأرضه وسمائه وثرواته، دون اكتراث بسيادته أو مصالح شعبه؟
يدخل العراق اليوم حربًا غير راغب فيها، ولا يمتلك مقومات الاستمرار بها، بلد أنهكته بنيةٌ سياسية مأزومة، وأضعفته منظومةُ فساد متجذرة، وأدخلته في دوامةٍ من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وفي ظل هذا الوضع الهش، تتخذ فصائلُ مسلحة مرتبطة بمحاور خارجية قراراتٍ مصيرية تدفع بالعراق قسرًا نحو أتون صراع لا ناقة له فيه ولا جمل، بما يعكس اختلالًا عميقا في بنية القرار السيادي.
تكمن المشكلة الجوهرية في غياب الدولة القادرة، أي دولةٍ تحتكر قرار الحرب والسلم، وتحمي حدودها ومواطنيها وفق منطق السيادة! إذ تقود المشهد حكومةٌ ضعيفة، خاضعة لتوازنات حزبية، ومتأثرة بسطوة قوى مسلحة موازية، ما أفضى إلى انتقال مركز القرار من المؤسسات الرسمية إلى فضاءات غير خاضعة للمساءلة! وبهذا فقد أصبح الانخراط في الصراع الإقليمي انعكاسًا لإرادات خارجية أكثر منه تعبيرا عن مصلحة وطنية عراقية.
إن استمرار هذا المسار يضع العراق أمام سيناريوهات شديدة الخطورة، تبدأ بتعميق عزلته الإقليمية، وتهديد علاقاته مع محيطه العربي والدولي، ولا تنتهي عند احتمالات إعادة إنتاج أشكالٍ جديدة من التدخل أو حتى الاحتلال، فضلًا عن خطر الانزلاق إلى صراعٍ داخلي بين مؤسسات الدولة والقوى المسلحة الخارجة عن إطارها.
من منظورٍ سياسي، يمكن توصيف الإشكالية العراقية بأنها ناتجة عن اختلال العلاقة بين “الدولة” و“النظام السياسي”. فالدولة، بوصفها كيانا قانونيا-مؤسساتيا- يُفترض أن تقوم على الحياد والاحتكام إلى عقدٍ اجتماعي دستوري يربطها بالمجتمع، كما يُفترض أن تبقى الأيديولوجيات ضمن فضاءات التنافس السياسي المشروع، كالأحزاب والبرلمان والرأي العام، لكن ما حدث في العراق هو العكس تماما، إذ تم تسييس الدولة وأدلجتها، فابتلعتها الأحزاب، وتماهت مؤسساتها مع ولاءات خارجية متباينة، ما أفقدها استقلاليتها ووظيفتها الأساسية.
وقد أسهم هذا الواقع في تفكيك الهوية الوطنية الجامعة، وإضعاف رابطة الانتماء بين الدولة والمجتمع، لصالح ولاءاتٍ فرعية طائفية أو عرقية أو إقليمية، كما أفرز اقتصادا ريعيا مشوها، تهيمن عليه شبكات مصالح مرتبطة بقوى سياسية، تُعيد إنتاج التبعية بدل بناء الاستقلال!
اليوم، يقف العراق على مفترق طرقٍ حاسم. فإما أن يستعيد الدولة بوصفها مرجعيةً عليا تحتكر العنف المشروع وتدير التوازنات بعقلانيةٍ وطنية، أو يستمر في حالة التآكل التدريجي التي تفتح الباب أمام مزيد من التدخلات والانقسامات.
إن اللحظة الراهنة تستدعي موقفا حكوميا واضحا وإجراءات عملية شجاعة، تبدأ بإعادة ضبط السلاح ضمن إطار الدولة، وتأكيد مبدأ السيادة، واعتماد سياسة خارجية متوازنة قائمة على المصالح الوطنية، لا على الارتباطات الأيديولوجية، فحماية الوطن والمواطن لم تعد خيارا مؤجلا، بل ضرورة وجودية، قبل أن يتحول العراق إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، وتُستباح وحدته ومستقبله.

اترك رد