من ينقذ سوريا …..د. قيس جرجس

منبر العراق الحر :
من ينقذ سوريا من استعصاءين:
استعصاء الأسلمة واستعصاء التقسيم
فكما أن سوريا غير قابلة للقسمة
كذلك سوريا غير قابلة للأسلمة
هذا بمنطق التطور التاريخي ومنطق التنوع الديني المذهبي العرقي
أما بمنطق العنف والقمع والفرض باستخدام سلطة الدولة، فهذا لن ينتج دولة حديثة مزدهرة، بل سينتج انفجارا للمجتمع وانهيارا للدولة، هذا إن أبقى نظام الاستبداد والفساد السابق مجتمعا موحّدا ودولة قائمة…
استعصاء الأسلمة:
سوريا بالديمغرافية الاجتماعية الغنية جدا بالتنوع الثقافي الديني والمذهبي والعرقي لا تقبل الأسلمة، كما أن زمن الدول الدينية والمذهبية قد ولّى مع زمن الفتح الديني في العالم، وصار للدولة وظائف حيوية تمس مصالح الناس الحاضرة، غير وظيفة التبشير بالدين، “فكلّ له دينه وكلّ على دينه الله يعينه”…
لذلك الأسلمة وفرض الشريعة الإسلامية سيكون خيارا وطنيا انتحاريا عند بعض التنظيمات الإسلامية السياسية المسلحة، والتي تريد أن تفرض ذلك بالقوة والعنف، وهذا سيلاقي رفضا وتمردا من باقي المكونات المذهبية والدينية الأخرى مع تمرد قسم كبير في المكون السني يمثل الإسلام المعتدل…
حيث يجسّد خيار الأسلمة والدولة الدينية نكوصا وتقهقرا حضاريا وتجزئة وتشظيا اجتماعيا وحروبا مدمرة، ويدفع المراهنين على التقسيم والأمن الذاتي في المكونات الأخرى لتحقيق أمنياتهم ومكاسبهم الخاصة، ويجلب تدخل الدول المحيطة والبعيدة، كما يحقق بذلك مصالح بعض الدول المتربصة بنا وأولها إسرا ئيل…
خيار التقسيم يتناسب طردا مع خيار الأسلمة وبناء دولة دينية وكلاهما يصبان في بقاء الحروب والتهجير والتشريد…
استعصاء التقسيم:
أيضا سوريا بالديمغرافية الاجتماعية تعصى على رسم حدود جغرافية وسياسية فاصلة للدويلات الطائفية والعرقية، لما هنالك من تشابك وتشارك بين المتحدات المتنوعة من كل الطوائف في كل دويلة، وذلك التشارك والتشابك ينتج مصالح مشتركة للناس يجعل خيار الوحدة خيار ازدهار وقوة للجميع…
التقسيم أصلا واقع على الأرض كمتاريس من فصائل مسلحة على حوامل عرقية وطائفية ودينية كنتيجة لنظام الاستبداد والفساد المزمن السابق، ويحقق بقاء هذا الواقع مصالح ضيقة للمهيمنين على تلك المتاريس من قوّاد عسكريين وطائفيين وبعض رجال الدين، والذين أغلبهم ستزول ممالكهم وسطوتهم في دولة القانون والعدالة والوحدة، كما أن أغلبهم مطلوب للمحاكم الوطنية العادلة، لذلك هم يعملون على أخذ الناس في الطوائف الخائفة من الاستبداد الديني والسياسي رهائن لهم، وفي أفضل الأحوال ستكون الدويلات القائمة أشبه بمزارع لهم، وأشبه بحبوس، وأشبه بملاجئ، وأشبه بدول لقيطة تسيطر عليها الدول ذات المصلحة بذلك، ولن تكون، كما يسوّقون لها بعض المتحمسين لذلك، دولا مزدهرة تسودها العدالة والحرية والديمقراطية والأمان والسلام…
فالتقسيم، كما يتم تصويره أنه خيار انقاذٍ وخلاصٍ، هو خيار انتحار جماعي أيضا، لأنه بمثابة وهمٍ واستثمار سياسي في الخوف من الآخر، حيث يتحول الناس لوقود في إشعال حروب وتصفيات عرقية ومذهبية داخل كل دويلة، وحروب تماس لا تنتهي، ويعوم على هذه الدويلات طبقة سياسية من المتنافسين على ممارسة الحقد الطائفي أكثر والخطاب المذهبي المزاود أكثر والقتل أكثر والعمالة أكثر، وهناك في المحيط شواهد على ذلك…
وهناك من يجمّل التقسيم بطرح أشكال له تسود في الدول المتقدمة كطرح الفيدرالية:
لا يوجد فيدرالية في العالم إلا دولة موحدة وقوية، ولم تقم فيدرالية على أساس واقع متخلف يشبه واقعنا المهلهل المقسوم عاموديا والممتلئ حقدا طائفيا، والناتج عن غياب الوعي وسيطرة الأهواء وغياب شرعة العقل النهضوي التنويري…
فلم تقم الفيدرالية الأمريكية كحلٍّ لحروب الزنوج والبيض الأهلية ولا الفيدراليات الأخرى…
كما أن الفيدرالية تتطلب بناء جيش وطني مركزي موحّد قوي يحمي الجميع، وليس بناء جيش عقائدي إسلامي لحماية السلطة والدولة الإسلامية، كما كان جيش الأسد، أو بديلا عنه كجيش فيه محاصصة بين فصائل طائفية وعرقية من خلال ما تطرحه الفصائل كشرط للقبول…
فيما أراه من كل الطروحات هو أنها تريد الذهاب إلى المحاصصة الطائفية والعرقية في الدستور على غرار لبنان والعراق…
أي تحقيق ما يسمى السنية السياسية على غرار الشيعية السياسية في العراق وهذه ماذا ستنتج:
لننظر إلى لبنان والعراق سنجد دولا فاشلة على الصعيد الخارجي والوطني، سنجد دويلات ضمن الدولة، وسنجد فصائل مذهبية مسلحة تهيمن على الدولة، وفقا لمصالح الداعم الإقليمي الأقوى في الأكثرية، وسنجد خطابات سياسية للتجييش الطائفي والعرقي حيث تزدهر العائلية السياسية والحزبية المذهبية، ويتم تداول تقاسم مصالح الدولة برعاية رجال الدين وقوّاد الطوائف وعائلاتها السياسية وأحزابها السياسية في زمن السلم، وتتداول العنف في زمن الحرب إن اختلفت الدول الإقليمية الراعية لذلك…
اذن، ونحن أمام هذه الطرق التي تأخذنا إلى العبودية والحروب والهجرة والنزوح والخوف، يقع على السلطة القائمة الدور الأكبر في وعي ذلك، والخروج من العقلية الميليشاوية المستأثرة بالسلطة، والحاملة لإيديولوجية إسلامية، والعمل مع الجميع على تأسيس عقلية وطنية أخلاقية جديدة، عقلية بناء دولة القانون والحرية والعدالة والتساوي بالحقوق، كما أفضت إليه مخرجات الحوار الوطني، وكما نلمسه في الخطابات للرئيس، والبدء ببناء جيش وطني جامع يكون أساسا ضامنا ومشجعا للمكونات الأخرى على رفض طروحات التقسيم والتعبئة الطائفية والعرقية…
وإن لم تذهب السلطة القائمة إلى ذلك، يجب علينا مواجهة الاستبداد والأسلمة بالتوحّد خلف مشروع وطني جامع لكل المكونات، بما فيها المكون السني الوطني، والخروج من أقبية الطائفيين والمتربصين بنا شرا…
أمام سوريا والشعب السوري امتحان كبير، فإما ننجح معا، أو سنكون وقودا لحروب عبثية مدمرة لنا جميعا…

اترك رد