منبر العراق الحر :
قال ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: “الشعر كان ديوان العرب، وبه كانت مفاخرهم وأحسابهم، وهو غاية ما انتهى إليه مداركهم في الكمال. ولكنه ليس من المعارف الضرورية أو العلمية التي تنتفع بها الأمم في عمرانها.” إذ وضعه ابن خلدون ضمن إطار الحضارة والثقافة باعتباره جزءً أساسيا من تراث العرب في فترة البداوة، لكنه رأى أن اعتماده كوسيلة للتعبير الأساسي يعبر عن مرحلة غير منتجة من الناحية الفكرية والفلسفية.
نحن أمة الشعر، لا الفلسفة ولا الفكر ولا البحوث ، وهذا الحال يعبر عن واقع ثقافي يعاني من اختلالات عميقة في الأولويات الحضارية والفكرية
فالشعر الذي كان عمود الثقافة العربية، ظل في كثير من الأحيان أداة للتعبير عن الانفعال والجمال والاحاسيس النفسية ، لكنه لم يستعمل لبناء منظومة فكرية شاملة كما فعلت أمم أخرى مع الفلسفة والعلوم والمعارف..
يقول الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري: “الثقافة العربية ركزت على الشعر باعتباره ديوان العرب، لكنها همشت الفلسفة والتفكير العقلاني، ما أدى إلى غياب العقل النقدي الذي يعد ركيزة التطور.” وهذا ما أكده المفكر اللبناني علي حرب، الذي يرى أن الاقتصار على الشعر يبقي الأمة في حالة انفعال وجداني بعيدا عن التحليل العقلاني الضروري للتقدم.
الباحث الأمريكي صامويل هنتنغتون، يشير في كتابه “صدام الحضارات” إلى أن المجتمعات التي لا تستثمر في الفكر والفلسفة تصبح أكثر عرضة للتهميش في النظام العالمي. ويضيف فرانسيس فوكوياما أن الفلسفة والفكر هما محركات أساسية لبناء أنظمة سياسية واقتصادية متماسكة، وأن إهمالهما يقود إلى العجز عن مواكبة التحولات العالمية.
غياب الفلسفة والفكر النقدي في الثقافة العربية جعلها، وفق إدوارد سعيد، تعتمد على أنماط تقليدية من التفكير، مما يضعف قدرتها على المنافسة في عالم تحركه المعرفة والابتكار…
أفلاطون في كتابه الجمهورية طرد الشعراء من مدينته الفاضلة لأنه اعتبرهم مصدرا للانحراف عن الحقيقة والعقلانية، ورأى أن الشعراء يعتمدون على الخيال والعاطفة بدلاً من العقل والمنطق، وبالتالي ينتجون صورا وهمية تبعد الناس عن فهم الواقع والحقيقة.
اعتقد أفلاطون أن الشعراء يثيرون العواطف بطريقة قد تؤدي إلى ضعف الروح الأخلاقية، إذ أنهم يشجعون الشهوات والانفعالات بدلا من الفضيلة..
على الرغم من طرده للشعراء من جمهوريته الفاضلة، إلا أن أفلاطون أقر بجاذبية الشعر وتأثيره الجمالي على النفس، واعترف بأنه يحمل قيمة فنية وروحية، وعند طردهم أهدى لهم باقة الزهور التي أهداها للشعراء وترمز إلى تقديره لجمال الشعر ودوره في تسلية الناس وإلهامهم، لكنه رأى أن هذا الدور لا يتناسب مع متطلبات المدينة الفاضلة التي تقوم على العقل والفضيلة.
رغم أن أرسطو كان تلميذ أفلاطون، إلا أنه لم يوافق تماما على طرد الشعراء. ومع ذلك أيد في كتابه “فن الشعر”، فكرة أن الشعر يجب أن يوجه الأخلاق، لكنه رأى أن له قيمة تعليمية إذا كان يظهر الفضائل ويحاكي الواقع بطريقة تخدم المجتمع.
رغم ان” كانط” لم ينتقد الشعر بشكل مباشر ، إلا انه وافق على أن الفن بما في ذلك الشعر، يجب أن يخضع لمبادئ أخلاقية وتعليمية، ما ينسجم مع رؤية أفلاطون بأن العمل الفني يجب أن يخدم الفضيلة.
شوبنهاور رأى في الفن بما في ذلك الشعر وسيلة للهروب من الواقع، وأشار إلى أن الاعتماد المفرط على الفن والشعر قد يبعد الإنسان عن الفهم الفلسفي العميق للحياة.
اعتقد لا يمكن إنكار جمال الشعر وقدرته على التأثير، لكنه ليس كافيا لبناء حضارة ما لم يعيق هذه بناء هذه الحضارة أصلا، فالأمم التي ازدهرت قديما مثل اليونان، لم تكتف بالشعر بل أنجبت فلاسفة وعلماء مثل سقراط وأرسطو الذين ساهموا في تشكيل الفكر الإنساني. أما الأمم التي بالغت في تمجيد الشعر، فقد بقيت في أسر العاطفة والتقليد والانفعالات..
واعتقد كذلك إننا بحاجة إلى مراجعة موقع الشعر والشعراء في ثقافتنا. من العسف الانساني ان ندعو إلى طردهم كما فعل أفلاطون، ولكن إلى تقليص الدور المبالغ فيه الذي يمنح لهم، فيجب أن نمنح الأولوية للفلاسفة والمفكرين والعلماء والباحثين الذين يبنون الأسس الفكرية والعلمية لتقدم المجتمعات.
الشعر جميل، لكنه لا يغني عن العقل.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر