منبر العراق الحر :
⏺️ المقدمة :
تُمثل “عقيدة ترامب 2026” تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط. فقد أسقطت واشنطن رسمياً مبدأ “إدارة الصراع” و”الاحتواء الدبلوماسي”، واستبدلته بـ”عقيدة الحسم وتدمير القدرات الاستباقي”. ولم تعد الإدارة الأميركية الحالية تسعى وراء صياغة اتفاقيات نووية تكتيكية أو مرحلية، بل تهدف إلى فرض استسلام إستراتيجي شامل على النظام الإيراني وتفكيك نفوذه كلياً.
فيما يلي تفكيك شامل وبأدق التفاصيل والمحاور للعقيدة الأميركية الجديدة وأبعادها العسكرية، الاقتصادية، والجيوسياسية الحالية:
1️⃣ الركيزة العسكرية:
نموذج “الضرب والانفصال” والردع الساحق
انتقلت العقيدة العسكرية الأميركية من التهديد بالرد إلى المبادأة بالهجوم الصادم، وتتجلى ملامح هذه الركيزة في:
◾️تدمير البنية التحتية الصلبة: عقب انطلاق الهجمات المنسقة تحت مسمى “عملية الغضب الملحمي” (Operation Epic Fury) بالتعاون مع إسرائيل في أواخر فبراير 2026، تركزت العقيدة العسكرية على استهداف شلّ القدرات الصاروخية ومراكز التصنيع العسكري الإيراني، وتدمير ما تبقى من منشآت التخصيب الحيوية بشكل كامل.
◾️رفض الغزو البري وتبني الضربات الجوية المكثفة: تقوم العقيدة على تجنب سيناريوهات الاحتلال البري التقليدي (مثل العراق أو أفغانستان). بدلاً من ذلك، تعتمد واشنطن على القوة الجوية والصاروخية المفرطة وعمليات الـ Cyber الهدامة لتدمير مقدرات الدولة اللوجستية دون تحمل تكلفة سياسية أو بشرية على الأرض.
◾️تقويض هيبة النظام كمقدمة لزواله: صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب علناً بأن أهداف العمليات لا تقف عند تدمير السلاح، بل تهدف إلى إضعاف النظام عسكرياً واقتصادياً لدرجة تسرّع انهياره داخلياً عبر ثورة شعبية، مستفيدة من حالة الإنهاك التي يعيشها الداخل الإيراني.
2️⃣ الركيزة الاقتصادية: الحصار البحري الكامل وسلاح “التعريفات الجمركية الثانوية”
الضغط الاقتصادي في عقيدة 2026 تجاوز تجميد الأرصدة أو حظر الكيانات، وانتقل إلى مرحلة الخنق الفعلي:
◾️الحصار البحري والسيطرة على حركة الملاحة: فرض الجيش الأميركي مع حلفائه طوقاً بحرياً وحصاراً كاملاً على الموانئ الإيرانية ومنافذ تصدير النفط في مضيق هرمز منذ أبريل 2026. والهدف الصارم هو تصفير صادرات النفط الإيرانية بالكامل بقوة السلاح.
◾️إستراتيجية “الجمارك الثانوية” ضد المشترين: فرضت واشنطن عبر أوامر تنفيذية عقوبات صارمة و ألوحت بفرض تعريفات جمركية عقابية إضافية على أي دولة ثالثة (وتحديداً الصين) تستمر في توفير شريان حياة مالي أو تجاري لطهران.
3️⃣ الركيزة الدبلوماسية والتفاوضية:
شروط الإذعان المطلق
تنعكس ملامح العقيدة الجديدة في إدارة واشنطن للمفاوضات الحالية التي تجري بشكل متقطع عبر وسطاء دوليين (مثل باكستان):
◾️رفض أنصاف الحلول: رفضت الإدارة الأميركية المقترحات والخطط المضادة التي قدمتها طهران لإنهاء الحرب (مثل مقترح النقاط الـ 14 الإيراني) واصفة إياها بأنها “غير مقبولة جملة وتفصيلاً”.
◾️معايير واشنطن غير القابلة للتفاوض: تصر العقيدة الأميركية على بنود صارمة تشمل:
1. التفكيك التام والمستدام لكافة البنى التحتية النووية ومخزونات اليورانيوم المخصب، دون منح إيران مرونة التخصيب المدني.
2. التدمير الكامل والشامل لصناعة الصواريخ الباليستية الإيرانية والمسيرات بعيدة المدى.
3. الإنهاء المطلق والنهائي لتمويل وتسليح ما يُعرف بـ “محور المقاومة” (الشبكات الوكيلة في لبنان، اليمن، والعراق).
4️⃣ التحديات والثغرات التي تواجه العقيدة الأميركية (تحليل إستراتيجي)
رغم الصرامة الشديدة لهذه العقيدة، فإن التقارير والتقييمات الإستراتيجية الصادرة عن مركز أبحاث الكونغرس (CRS) ومعهد دراسة الحرب (ISW) تكشف عن عوائق جوهرية تواجه واشنطن في الميدان:
◾️التكلفة المالية الباهظة والسرية: كشفت إفادات قادة الجيش الأميركي أمام الكونغرس في مايو 2026 أن التكلفة المباشرة للعمليات العسكرية ضد إيران بلغت قرابة 29 مليار دولار، دون احتساب تكاليف إصلاح المنشآت والقواعد الأميركية المتضررة في المنطقة نتيجة الضربات الانتقامية. هذا الأمر يثير قلقاً متزايداً في أوساط المشرعين الأميركيين بسبب غياب التوافق التام حول كلفة الحرب الإجمالية ومداها الزمني.
◾️صمود القدرات الإيرانية التكتيكية: تُشير تقييمات الاستخبارات الأميركية إلى أنه بالرغم من الضربات الجوية المكثفة (التي ناهزت 15 ألف ضربة)، فإن طهران لا تزال تحتفظ بـ قدرات صاروخية تكتيكية معتبرة، ولديها القدرة على الوصول واستخدام حوالي 30 موقعاً صاروخياً من أصل 33 تقع على طول مضيق هرمز الإستراتيجي.
◾️الالتفاف عبر البحر والشركاء الإقليميين: تحاول إيران تكييف إستراتيجيتها العسكرية للتركيز كلياً على فرض قواعد اشتباك جديدة في مضيق هرمز عبر إلزام السفن بإجراءات عبور صارمة، مع إبرام اتفاقيات طاقة موازية مع دول جارة (مثل العراق وباكستان) لنقل النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، مما يهدد بخلخلة الحصار الأميركي المفرود.
◾️التعقيد الصيني وحسابات الطاقة العالمية: تخشى واشنطن من أن يتسبب طول أمد الصراع وتذبذب حالة وقف إطلاق النار المؤقت في عدم استقرار طويل المدى بأسواق الطاقة العالمية. تعتمد الصين بشكل حيوي على نفط الشرق الأوسط وتعد الداعم الاقتصادي الأبرز لطهران، مما يضطر الرئيس ترامب لمحاولة الضغط على بكين لجر إيران لطاولة المفاوضات دون الانزلاق لمواجهة تجارية أو عسكرية مباشرة مع الصين نفسها.
◾️من إدارة الصراع إلى إدارة الإنهاك:لم تعد واشنطن تنظر إلى المواجهة مع إيران بمنطق “احتلال العاصمة” أو “إسقاط النظام عبر الغزو المباشر” كما حدث في العراق عام 2003، بل انتقلت إلى نموذج أكثر تعقيدًا وأقل كلفة يقوم على إدارة الإنهاك طويل الأمد.
فالعقيدة الأميركية الجديدة لا تستهدف السيطرة على الجغرافيا الإيرانية بقدر ما تستهدف منع طهران من استعادة توازنها الإستراتيجي، عبر استنزاف قدراتها العسكرية والاقتصادية، وتفكيك بيئتها الإقليمية، وتحويلها إلى دولة منشغلة بإدارة البقاء الداخلي بدل توسيع النفوذ الخارجي.
وبهذا المعنى، فإن “حرب الأيام” ليست حرب احتلال تقليدية، بل عملية ضغط مركبة ومتعددة الأدوات تهدف إلى إبقاء الخصم داخل دائرة إنهاك دائم، دون انزلاق واشنطن إلى كلفة الاحتلال الشامل أو حروب الاستنزاف البرية المفتوحة.
(( خلاصة الموقف الإستراتيجي ))
تضع العقيدة الأميركية الجديدة تجاه إيران المنطقة أمام معادلة صفرية: إما التفكيك الشامل لمقومات القوة الإيرانية (النووية، الصاروخية، والإقليمية)، أو استمرار العمليات العسكرية والحصار البحري الخانق لحين حدوث انكسار داخلي أو سياسي في طهران. ومع ذلك، فإن التكلفة الاقتصادية المتصاعدة للحرب داخل الولايات المتحدة، والقدرة الإيرانية على شن هجمات هجينة وتعطيل الملاحة، تجعل من تطبيق هذه العقيدة اختباراً معقداً ومفتوحاً على كافة الاحتمالات خلال الأشهر المتبقية من عام 2026.
5️⃣ الركيزة المضادة: عقيدة “الأرض المحروقة الإقليمية” وطبيعة الرد الإيراني الحالي
رداً على انطلاق الهجمات الغربية والأميركية وتدمير أجزاء من بنيتها التحتية، تبنّت طهران استراتيجية عسكرية هجومية تقوم على مبدأ “توزيع كلفة الحرب الجغرافية” و تدفيع الجوار الثمن كأداة لكسر الحصار الأميركي. وتتلخص طبيعة هذا الرد الميداني المكثف في المحاور التكتيكية التالية:
أ. الاستهداف المباشر وغير المسبوق للقواعد الأميركية في الخليج
لم يعد الرد الإيراني قاصراً على المناوشات عبر الوكلاء؛ بل نفذ الحرس الثوري والجيش الإيراني عمليات قصف صاروخي باليستي وبأسراب الطائرات المسيّرة الانتحارية طالت عمق الوجود العسكري الأميركي:
◾️إصابة المنشآت الحيوية الحساسة: وثقت صور الأقمار الصناعية لصحيفة The Washington Post أضراراً واسعة شملت تدمير أكثر من 228 منشأة وموقعاً للمعدات العسكرية الأميركية في المنطقة. شمل القصف استهداف رادارات الإنذار المبكر الحيوية (مثل رادار AN/FPS-132 في قطر)، بالإضافة إلى قصف مطارات وقواعد دعم لوجستي كبرى في الكويت (مثل معسكر بيورينغ وقاعدة علي السالم) وفي الإمارات والبحرين.
◾️شل ألوية الدفاع الجوي واستنزافها: ركزت إيران على ضرب أجهزة الرادار الثمينة وقباب الاتصالات الفضائية لحظر قدرة الدفاع الجوي الأميركي “باتريوت” على رصد موجات الصواريخ التالية، مما جعل بعض القواعد في 8 دول إقليمية غير صالحة للاستخدام جزئياً نتيجة دقة التوجيه المعتمدة على تقنيات ملاحة متطورة.
ب. استراتيجية “تحييد أو ضرب” بلدان الخليج العربي
تتعامل طهران مع دول الخليج بمعادلة أمنية شديدة الخطورة، تقوم على فصل الموقف السياسي لكل دولة عن طبيعة استخدام أراضيها:
◾️التبرير القانوني والسياسي للضربات: أعلنت طهران رسمياً عبر قنواتها الدبلوماسية أن القواعد الأميركية المتواجدة على أراضي دول الخليج تُستخدم لأغراض لوجستية واستخباراتية و تجسسية لصالح واشنطن وتغذية طائراتها بالمعلومات. وبناءً عليه، اعتبرت إيران أن أي دولة لا تمنع الولايات المتحدة من استخدام أراضيها أو أجوائها لضرب طهران، تصبح هدفاً عسكرياً مشروعاً.
◾️توزيع الهجمات بين البنية العسكرية والاقتصادية: لم تكتفِ الصواريخ الإيرانية بالقواعد العسكرية، بل طالت الهجمات منشآت طاقة وموانئ حيوية ومطارات وبنية تحتية في دول خليجية (مثل ميناء جبل علي في دبي ومناطق في الكويت والسعودية)، متسببة في اضطرابات واسعة النطاق في حركة الطيران والشحن التجاري.
◾️تأجيج الانقسامات الخليجية: نجحت هذه العقيدة الإيرانية جزئياً في توسيع الهوة والخلافات البينية بين دول مجلس التعاون الخليجي، حيث دفع الخوف من الهجمات اليومية بالمسيرات على منشآت النفط بعض الدول (مثل الإمارات) إلى محاولة تنفيذ ردود فعل عسكرية أحادية غير معلنة تارة، وتوسيع طاقة موانئ الالتفاف (مثل ميناء الفجيرة بـ معهد دراسة الحرب (ISW)) تارة أخرى لتجنب المرور من Chokepoints تحت التحكم الإيراني.
ج. عزل مضيق هرمز وتحويله إلى “بوابة عسكرية مشروطة”
تعد هذه الورقة هي الأخطر في ترسانة الرد الحالية، حيث أعلنت وزارة الدفاع الإيرانية تحولها من الردع التقليدي إلى فرض الرقابة والتفتيش العسكري الإلزامي:
◾️قطع خطوط الإمداد العسكري الأميركي: حظرت إيران رسمياً مرور أي شحنات عسكرية أو أسلحة أمريكية متجهة إلى القواعد الخليجية عبر المضيق، لضرب العمود الفقري اللوجستي للقوات الأميركية.
◾️التحكم بأسواق الطاقة واشتراط التفاوض: بالرغم من الضعف النسبي لخطوط الدفاع التقليدية الإيرانية نتيجة الضربات، إلا أن طهران أثبتت امتلاكها القدرة على السيطرة التكتيكية على المضيق عبر التهديد الفعلي لشركات التأمين والشحن. وتصر طهران على عدم إنهاء فرض القيود في هرمز إلا بإنهاء الحصار البحري الأميركي عليها كشرط أساسي مفروض أمام الوساطة الباكستانية.
6️⃣ الكواليس الدبلوماسية:
معركة الشروط الخمسة والمقترحات المضادة
بالتوازي مع الردع العسكري، تدور حالياً معركة تفاوضية شرسة عبر قنوات وسيطة (بينها باكستان)، وتتمحور حول رغبة واشنطن في إغلاق هذا الملف سريعاً بشروط إذعان كاملة:
◾️شروط واشنطن الخمسة الحاسمة لإنهاء الحرب: وضعت إدارة ترامب شروطاً صارمة لا تقبل التنازل:
1. تسليم المخزون الحرج: إلزام إيران بتسليم 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب مباشرة إلى الولايات المتحدة.
2. التفكيك الشامل: تفكيك كامل البنية التحتية النووية.
3. حظر التخصيب الذاتي: فرض حظر مطلق على أي عمليات تخصيب يورانيوم مستقبلية مستقلة في الداخل الإيراني.
4. تحجيم الترسانة الصاروخية: وضع سقف صارم يمنع تطوير الصواريخ الباليستية طويلة المدى.
5. إنهاء شبكات الوكلاء: التصفية الكاملة لتمويل الفصائل المسلحة في المنطقة.
◾️مناورة النقاط الإيرانية المضادة (مرفوضة أميركياً): حاولت طهران تقديم تنازلات تكتيكية مثل إغراق/تخفيف جزء من اليورانيوم المخصب ونقل الباقي لدولة ثالثة، مقابل رفع الحصار البحري الأميركي لمدة 30 يوماً لإنعاش مبيعات النفط وتأكيد سيادتها الإقليمية على مضيق هرمز. هذا المقترح رفضه الرئيس ترامب علناً واصفاً إياه بـ “الألعاب الصبيانية”.
7️⃣ حرب الاستنزاف وأوراق الضغط المتبادلة
(حافة الهاوية)
يكشف الواقع الميداني أن كِلا الطرفين يضغط على مكامن ألم الآخر في محاولة لفرض شروطه قبل إقرار أي وقف دائم لإطلاق النار:
◾️استنزاف الاقتصاد الأميركي وعزل الملاحة: تعتمد إستراتيجية إيران الحالية على الترويج للتكلفة الباهظة للحرب على المواطن الأميركي. تسبب شبه الإغلاق لمضيق هرمز في ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم عالمياً وفي الولايات المتحدة، بالتوازي مع قلق المشرعين من الفاتورة العسكرية المباشرة التي بلغت 29 مليار دولار واستهلاك أكثر من 13,600 ذخيرة ذكية.
◾️خنق الآبار الإيرانية: في المقابل، يواجه النظام الإيراني مأزقاً هيكلياً؛ حيث تسبب الحصار البحري الأميركي الشامل في تكدس الناقلات الإيرانية الفارغة في الموانئ لاستخدامها كمستودعات تخزين مؤقتة للنفط غير القابل للتصدير. تشير تقديرات The New York Times إلى أنه في حال امتلاء هذه الخزانات العائمة، ستُجبر طهران على إغلاق آبار النفط كلياً، مما يهدد بانهيار اقتصادي داخلي متسارع وتدني الخدمات الأساسية للمواطنين.
◾️بدائل الالتفاف الإقليمية: كاستجابة فورية لتحييد خطر التحكم الإيراني بمضيق هرمز، أعلنت دول كالإمارات في منتصف مايو 2026 عن خطط لتسريع مضاعفة القدرة التصديرية عبر ميناء الفجيرة لضمان تدفق النفط بعيداً عن نقاط الاختناق الإستراتيجية.
إننا نعيش حالياً فترة “إدارة حافة الهاوية بالنقاط”. العقيدة الأميركية حققت هدف تدمير جزء كبير من البنية العسكرية الإيرانية (قرابة 85% من منظومات التصنيع والدفاع الجوي حسب البنتاغون)، لكنها لم تنجح بعد في صياغة اتفاق استسلام نهائي. طهران، رغماً عن الإنهاك، ما زالت تناور بقدراتها الصاروخية المتبقية وقدرتها على هز أسواق النفط الدولية لانتزاع أي مكسب دبلوماسي يحفظ ماء وجه النظام.

منبر العراق الحر منبر العراق الحر