كويظم وهاشمية مع رائعة “هذه ليلتي “…. نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :
المعلمون في الأهوار كانت صلة التلاقي مع العالم البعيد كانت تتم عبر راديو السانيو الياباني ، وكنا نضحك ان تكون اليابان التي خسرت الحرب بقنبلة هيروشيما وخرجت مهزومة بأذلال هي من تعين خواطرنا وتربط خيط ارواحنا بأمكنة تركناها في المدينة واغلبها ذكريات غرام ومتعة الذهاب الى المقهى أو السينما او دموع ناعمة تهطل كمطر على نعوش شهداء حرب الشمال الذي سرقتهم رصاصات البرنو من مساءات شارعنا ولم تبق منهم سوى صورهم بالأسود والابيض وذكريات يصعب نسيانها.
في تلك الأيام كانت اغنيات السيدة ام كلثوم هي رابط الحلم مع امنيات السفر وانجاز نصوص الكتابة او اتمام نصف الدين .
كنا نغرق في ليل صوتها ،بعضنا يسرح في احلامه وبعضنا يبكي لآلامه ،وبعضنا يتساءل أن كان اهل القرية يسمعون هذا الشجن المصري بكلمات احمد رامي والحان رياض السنباطي.
ومرات يسألنا في الصباح احدهم :من كانت تغني في الليل .؟
فأرد :السيدة أم كلثوم .
فيجيب متعجبا : إن صوتها يحرك فينا العظام ويجعلها “اطكطك ” ولا يشعرنا ابدا بلسع البعوض.
أرد عليه :هي تغني بلهجة قد لاتفهمونها .
يرد : ولكن الموسيقى أفهمها فهي “تهسهس ” بالروح .
لم افهم معني مفردة “تهسهس ” ربما ابتكرها هو من قواميسه السومرية وشعرت ان معناها تنسل بهدوء الى الروح .
أتعجب ومتى ارسلت النجوم بريق عاطفتها الى الماء والقصي اتخيل أهل القرية وهم يتمدوون فوق السوابيط وداخل الناموسيات وهم يعيشون متعة سماع أغنيات أم كلثوم فيقترب الزوج من زوجته وإن لم يفعل هي من تقترب اليه .
لأول مرة شعرت بأن الليل أصبح ينتمي بأحساسه وعواطفه وخواطر أحلامه الى جميع سكنة هذا المكان ، بعدما كنا نشعر انه مع أغاني السيدة يكون لنا فقط ونحن من نتمتع بأغانيه ، ووحدنا من نمتلك الحق بالتمني وأستعادة الذكريات ، واغرب ما جعلنا نعيش الفرح والضحك معا عندما تجرأ تلميذ في الصف الثالث وقال لي إنه سمع والده يقول لأمه : أنتِ عمري . وشعرنا أنه العاشق منهم إذا اراد ان يلتقي مع حبيبته في مكان منعزل أو ظلمة خافتة تحت ضوء القمر في نهاية القرية سيهمس لها : أغدا القاك.
وبسبب ام كلثوم تجرأ الشاب كويظم راشد حنون الذي ترك المدرسة قبل سنوات بعدما اجتاز الصف الخامس الابتدائي بشراء جهاز راديو صغير بوساطة احد المعلمين واشترط عليه رجاء ان يكون فيه اغاني ام كلثوم ، فذهب المعلم الى بائع اجهزة صوتية واشترط عليه ان يبيعه راديو ياباني يسحب اثير اذاعة صوت العرب من القاهرة التي تبث سهرة ام كلثوم كل ليلة ، ولأن كويظم لايمتللك ساعة يوقت فيها سماع أغاني السيدة ، فقد حسب الوقت من خلال لحظة الانصات الى مذياع امعلمين متى انطلق صوت ام كلثوم تدثر باللحاف واصبح يسمع وحده وهو يتخيل وجه هاشمية إبنة عمه التي يريد ابيها بدلا عنها كمهر اربعة جواميس مما ورثه كويظم من أبيه وهي عشرة جواميس. ويبدو أن إدمانه على صوت السيدة زاد لهفة الشوق لديه ليكون مع هاشمية بصريفة واحدة ، فوافق على المهر وزف عريسا ، وفي تلك الليلة كان المطر يهطل خفيفا على عش الزوجية ، وجميعنا يتخيل رومانسية اللحظة بما حلله الله لهما ، وشعرنا أن العروسين ينتظران أغنية أم كلثوم ليندسان بهدوء وفرح تحت غطاء الستن الوردي ، والغريب أن اغنية “هذه ليلتي “هي من كانت تصدح في الليل الماطر الذي أحكم فيه كويظم سقف الصريفة جيدا حتى لايعكر المطر طقوس ومزاج أول ليلة غرام بينهما ، وعلى انغام اغنية “هذه ليلتي وحلم حياتي “.

اترك رد