منبر العراق الحر :….المقدمة….
في هذه الأرض، يولد بعض الحب مثل زهرة برية، تنبت رغم الحجارة، وتفتن العابرين برائحتها، لكنها تبقى مهددة دائمًا بيدٍ غليظة تقطفها قبل أن يكتمل عطرها. هذه الحكاية ليست عن موت جسد، بل عن اغتيال روح… عن حرب يشنها المجتمع على قلبٍ أحبّ، وعن وردة لم تُمنح فرصة أن تتفتح.
كان واقفًا أمامي، عيناه زجاجيتان، نظراته شاردة، وجسده يرتجف كغصن في مهب الريح. لم أصدق أن هذا هو “علي” الذي عرفته يومًا… الشاب المثقف الحالم، صاحب الابتسامة التي كانت تسبق حضوره، وصوت الضحكة التي كانت تملأ المكان حياة. الآن، بدا كأنه هيكل فارغ، جسد يمشي بلا روح، بعد أن ابتلعه مستنقع المخدرات، وصار يرى الدنيا من وراء ستار من العتمة.
لم تكن الهزيمة وليدة يوم أو شهر، بل كانت جرحًا بدأ يوم غابت “فريدة” عن الدنيا. هي… الحبيبة والخطيبة والصديقة التي وحدها استطاعت أن تلمّ شتاته وتقرأ صمته. كانت ملاذه الأخير، تعرف لغة جروحه قبل أن تنطق بها شفتاه، وتحضنه كطفل ضائع في شوارع الغربة.
وُلدت هي على مشارف المأساة، إذ فقدت أمها وهي لم تكمل عشرة أيام من عمرها، في جريمة لم يُسأل عنها أحد، ولم يسجن أحد. كبرت يتيمة الحنان، منبوذة الشعور، كأنها ضيف ثقيل على الحياة. لكن كل ذلك تغيّر حين التقت بـ”علي”… أول من قال لها إنها تساوي الدنيا، وأول من أحبها بصدق، لا لشيء سوى أنها هي.
لكن العالم لم يحتمل هذا الحب.
في أحد المساءات، جلست فريدة أمامه في مقهى صغير عند طرف المدينة، المقهى الذي كان شاهدًا على أول اعتراف بالحب. كانت يداها ترتجفان وهي تروي له ما فعله أهلها: “قالوا لي إنك لا تليق بمستوانا، وإن حياتي معك ستكون خزيًا لهم… هددوني… يريدون أن يزوجوني لابن عمي… قالوا إنك فقير، عامل، بينما هم أصحاب القصور”.
أمسك علي بيدها، نظر في عينيها بعمق، وقال بصوت مبحوح: “أنا لا أملك إلا قلبي، لكنه لكِ… ولكِ وحدك”. ابتسمت رغم دموعها، وعرفت أن هذه اللحظة قد تكون الأخيرة.
صوت فريدة
كنت أعرف أنني أمشي نحو النهاية، لكنني لم أندم يومًا على اختياري. هم لا يفهمون أن الحب ليس حسابات بنكية ولا ألقابًا عائلية. كنت أعرف أن يدي التي أمسك بها علي أقوى من جدران قصورهم. ليلة موتي، لم أكن خائفة… الخوف الحقيقي كان أن أعيش حياة لا تشبهني، أن أستيقظ كل صباح بجانب رجل لا يسكن قلبي. اخترت أن أكون وفية للحب، حتى لو كان ثمنه حياتي. وحين أغمضت عيني، كان آخر ما رأيته وجه علي، يبتسم كما في اليوم الأول.
مرت أيام قليلة، قبل أن يأتيه الخبر كرصاصة في صدره: فريدة قُتلت. قالوا إنها حادث… لكن علي كان يعرف أن الحادث الحقيقي هو أن يُقتل الحلم لأنه تجرأ أن يولد. في جنازتها، وقف بعيدًا، لا يجرؤ أن يقترب من نعشها، يخشى أن ينكسر أمامهم. كانت السماء ملبدة، والمطر ينهمر كأنه يشارك قلبه البكاء.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد علي عليًّا. صار يسير في الشوارع يطارد ظلها، يراها عند ناصية الطريق، أو جالسة في المقعد الأخير من الحافلة، أو عابرة في الزحام. يمد يده ليقبض على طيفها، فلا يجد سوى الفراغ. والمخدرات، التي كانت ملاذه الأخير، صارت زنزانته الأبدية.
هذه ليست مجرد قصة حب، بل صرخة روح في وجه مجتمع يقتل المختلف، ويغتال البراءة باسم الشرف المزيّف، ويحاكم القلب لأنه أحب.
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر