منبر العراق الحر :
في الحروب الكبرى قد تُكسب المعارك سريعًا، لكن إعلان النصر الحقيقي لا يحدث إلا عندما يتغير ميزان القوة في الإقليم.
: المقدمة
أثار تحليل نشره موقع CNN للكاتب المختص بالشؤون السياسية الأمريكية Stephen Collinson سؤالًا يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه في الحقيقة أحد أكثر الأسئلة تعقيدًا في الحروب الحديثة:
هل تستطيع الولايات المتحدة إعلان النصر في الحرب على إيران؟
يرى كولينسون في تحليله أن إعلان الانتصار الأمريكي ما يزال مبكرًا، رغم التفوق العسكري الكبير الذي أظهرته الضربات الأمريكية والإسرائيلية. فالنظام الإيراني – بحسب التحليل – ما زال قائمًا، ومؤسسات الدولة لم تنهَر، كما أن إغلاق مضيق هرمز وتداعياته الاقتصادية العالمية أظهر أن الحرب قد تمتد إلى ما هو أبعد من ساحة المواجهة العسكرية المباشرة.
ويضيف الكاتب أن المشكلة الأساسية لا تكمن في كسب المعارك العسكرية، بل في كيفية إنهاء الحرب بطريقة يمكن تقديمها للرأي العام الأمريكي والعالمي بوصفها انتصارًا سياسيًا واضحًا، لا مجرد تفوق عسكري مؤقت.
لكن هذا السؤال في حد ذاته قد يكون مضللًا قليلًا. فالحروب الحديثة لا تُحسم دائمًا بالطريقة التي يتخيلها الإعلام أو الرأي العام. إذ إن مفهوم النصر العسكري يختلف جذريًا عن مفهوم النصر السياسي، وكثيرًا ما يتحقق الأول دون أن يتحقق الثاني.
ولهذا فإن النقاش حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد انتصرت أو لم تنتصر ما يزال مبكرًا؛ لأن السؤال الحقيقي ليس فقط:
من كسب المعارك؟
بل:
هل تغيّر ميزان القوة في الإقليم؟
ففي الحروب الكبرى لا يُقاس النصر بعدد الأهداف التي دُمّرت فقط، بل بمدى قدرة الحرب على تغيير سلوك الخصم وإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة به.
ومن هنا يصبح فهم هذه الحرب أكثر وضوحًا إذا نُظر إليها بوصفها حرب مراحل، لا مجرد مواجهة عسكرية واحدة.
بين كسر القدرة وتغيير السلوك:
هل تستطيع أمريكا إعلان النصر في الحرب على إيران؟
: أين تكمن مشكلة تحليل CNN؟
جوهر تحليل CNN ليس أن أمريكا ستخسر الحرب، بل أن التفوق العسكري لا يساوي تلقائيًا نصرًا سياسيًا. وهذا صحيح في أصله، لكنه يصبح ناقصًا إذا لم نُعرّف “النصر” أولًا من وجهة نظر كل طرف. في تغطية CNN نفسها ظهر هذا التباين بوضوح: البنتاغون يتحدث عن أهداف عسكرية محددة – ضرب الصواريخ، والنفاذ البحري، والقاعدة الصناعية العسكرية – بينما يربط ترامب نهاية الحرب بتقديره السياسي الشخصي لما إذا كانت “منتهية” أو “كاملة”. (CNN)
: معاني النصر عند الأطراف المنخرطة
إسرائيل تميل إلى تعريف النصر تعريفًا أعلى سقفًا: ليس فقط إضعاف إيران، بل إسقاط قدرتها كتهديد تاريخي، وهو ما يقترب عمليًا من فكرة إنهاء النظام أو كسر بنيته الحاكمة بصورة تمنعه من النهوض مجددًا. هذا المعنى يفسر لماذا تبدو إسرائيل أقل اكتراثًا بسرعة إنهاء الحرب وأكثر استعدادًا لتوسيعها زمنيًا ومسرحيًا. هذا المعنى تدعمه أيضًا تغطيات رويترز التي تظهر أن الحساب الإسرائيلي أوسع من مجرد وقف نيران مؤقت. (Reuters)
الولايات المتحدة تبدو أقل تعلّقًا بإسقاط النظام فورًا، وأكثر تركيزًا على تغيير سلوك النظام: تقليص قدرته العسكرية، ردعه بحريًا، وتفكيك شبكات نفوذه الإقليمي، مع حماية الشحن والطاقة ومنع تهديد المصالح الأمريكية والشركاء. هذا يتفق مع ما عرضه رئيس الأركان الأمريكي ووزير الدفاع في CNN عن ثلاثة أهداف عسكرية: الصواريخ والمسيّرات، والبحرية لضمان الحركة في هرمز، والقاعدة العسكرية-الصناعية الإيرانية لمنع تهديد ممتد لسنوات. (CNN)
أما إيران فتعريفها للنصر أدنى سقفًا من الناحية العسكرية وأشد صلابة من الناحية السياسية: بقاء النظام نفسه، واستمرار مؤسسات الدولة، ومنع خصومها من فرض استسلام سياسي معلن. ولهذا نفهم لماذا أصبح خطابها يدور حول: عدم تكرار الحرب، والضمانات، والتعويضات، ورفض وقف إطلاق نار بلا شروط تحفظ بقاء النظام وكرامته الاستراتيجية. تصريحات عباس عراقجي عن الترحيب بمبادرات تؤدي إلى “نهاية عادلة”، مقابل مطالب بضمانات لعدم تكرار الحرب، تدخل في هذا الإطار نفسه. (The National)
: التطور الاستراتيجي الذي يغيّر معنى النصر
ضرب جزيرة خرج غيّر ميزان القراءة. فخرج ليست مجرد هدف عسكري، بل قلب الاقتصاد النفطي الإيراني، وقد قالت رويترز إن ترامب أعلن ضرب كل المنشآت العسكرية فيها مع تعمد تجنّب تدمير البنية النفطية نفسها “لأسباب أخلاقية” مع التلويح بإعادة النظر إذا استمر تعطيل الملاحة. وهذا يعني أن واشنطن انتقلت من منطق تدمير القدرة العسكرية إلى منطق إمساك مفتاح القدرة الاقتصادية من دون استخدامه بالكامل بعد. (Reuters)
وفي المقابل، أضاف خطاب المرشد الجديد طبقة أخرى من الغموض: رويترز نقلت أنه قال إن المضيق “يجب أن يبقى مغلقًا” كأداة ضغط، بينما عاد المندوب الإيراني في الأمم المتحدة ليقول إن إيران لن تغلقه رسميًا وتحترم حرية الملاحة وفق القانون الدولي. هذا التناقض ليس ارتباكًا فقط؛ بل هو غموض قسري محسوب: تريد طهران أن تستخدم هرمز أداة ضغط، لكنها لا تريد تحمّل الكلفة القانونية والسياسية الكاملة لإعلان إغلاق رسمي يفتح الباب أمام مساءلة أوسع وعقوبات أقسى وتدويل أسرع للأزمة.(Reuters)
: إعادة صياغة السؤال الاستراتيجي
من هنا، السؤال الصحيح ليس: هل ربحت أمريكا؟
بل: أي نوع من النصر تريد أمريكا أن تعلنه؟
إذا كان المقصود النصر العسكري، فواشنطن تملك حججًا قوية: تفوق جوي واستخباراتي، ضربات دقيقة، استهداف خرج، وشلل نسبي في بعض القدرات الإيرانية. حتى ترامب وصف الحرب بأنها “very complete” في مقابلة نقلتها رويترز. لكن هذا النصر يبقى نصر مرحلة أولى لا نصر حرب كاملة. (Reuters)
أما إذا كان المقصود النصر السياسي، فالأمر أكثر تعقيدًا بكثير. لأن النصر السياسي يتطلب على الأقل ثلاثة أشياء:
1. تقليص قدرة إيران على تهديد الإقليم والملاحة،
2. تغيير ميزان القوة الإقليمي لمصلحة واشنطن وحلفائها،
3. إنهاء الحرب بطريقة قابلة للتسويق داخليًا ودوليًا على أنها نتيجة مستقرة لا جولة مؤقتة.
وهنا بالضبط تظهر مشكلة CNN الحقيقية: هي تخلط أحيانًا بين عدم تحقق النصر السياسي بعد، وبين نفي إمكان تحقق النصر أصلًا.
: ما الذي أغفلته CNN؟
أغفل التحليل ثلاثة أمور حاسمة:
أولًا، أن التفوق العسكري الأمريكي ليس مجرد تفوق نار، بل تفوق في التحكم بدرجات التصعيد: تضرب خرج عسكريًا، وتلوّح بالنفط، وتستدعي تحالفًا بحريًا، وتضغط على الأسواق، من دون أن تستخدم كل أوراقها دفعة واحدة. (Reuters)
ثانيًا، أن هشاشة الاقتصاد الإيراني تجعل حرب الاستنزاف أشد وطأة على طهران من واشنطن إذا جرى تدويل المضيق وحُوصرت قدرة إيران على تحويل تهديد هرمز إلى مكسب سياسي. رويترز نفسها تشير اليوم إلى أن إعادة فتح أسواق الطاقة مستحيلة فعليًا من دون موافقة إيران، وهذا في ظاهره يمنحها ورقة، لكنه في باطنه يعني أيضًا أن بقاء التعطيل يجعلها في مرمى اتهام دولي بأنها تعطل الاقتصاد العالمي. (Reuters)
ثالثًا، أن الحرب لم تعد ثنائية أصلًا. فهي شبكة تشمل إسرائيل، الخليج، العراق، البحر الأحمر، والمضيق. ولهذا فالسؤال عن النصر لا يمكن أن يُجاب عليه من طهران وواشنطن فقط، بل من حالة الإقليم بعد الحرب. وهذا ما يقودنا إلى منطق حرب المراحل. (Reuters)
: حرب المراحل – الإطار الأدق
المرحلة الأولى: كسر القدرة العسكرية.
وهي المرحلة التي يقيسها الإعلام غالبًا: صواريخ، قواعد، بنية عسكرية، خرج كهدف عسكري، ومرافئ وقيادات. في هذه المرحلة واشنطن متقدمة بوضوح. (Reuters)
المرحلة الثانية: تفكيك شبكة النفوذ.
وهنا لا يعود السؤال عن إسقاط النظام فورًا، بل عن تقليص قدرة إيران على إدارة الإقليم عبر الوكلاء والممرات والطاقة. وهذا يشمل العراق ولبنان واليمن وسوريا والمضيق. هنا تقع العقدة الأصعب، وهي التي لم يعطها تحليل CNN وزنها الكامل. (Reuters)
المرحلة الثالثة: إعادة تشكيل التوازن الإقليمي.
إذا ضعفت الشبكة، تبدأ إعادة ترتيب الإقليم: أمن الخليج، الملاحة، الردع، أمن إسرائيل، ووظيفة العراق. عندها فقط يصبح للنصر السياسي معنى قابلًا للإعلان. وهذا يتسق مع دعوة ترامب اليوم لدول كبرى – منها فرنسا وبريطانيا واليابان وكوريا الجنوبية – للمساهمة بحماية المضيق، أي أنه يحاول نقل الحرب من إطارها الأمريكي المباشر إلى إطار دولي لحماية الاقتصاد العالمي. (Reuters)
الخلاصة التحليلية الدقيقة
إذن، هل تستطيع أمريكا إعلان النصر؟
الجواب الدقيق هو: تستطيع أن تعلن نصرًا عسكريًا جزئيًا، لكنها لا تستطيع بعد إعلان نصر سياسي مكتمل.
تستطيع أن تقول إنها كسرت جزءًا مهمًا من القدرة العسكرية الإيرانية، وضربت خرج، ورفعت كلفة التصعيد على طهران. لكن لا تستطيع أن تزعم أنها حققت النصر السياسي الكامل ما لم يتحقق واحد من أمرين:
إما تغيير سلوك النظام بوضوح،
أو إعادة تشكيل ميزان القوة الإقليمي بما يجعل إيران أقل قدرة على تهديد الإقليم والملاحة والطاقة. (Reuters)
والأهم من ذلك كله:
النصر العسكري يُقاس بما دُمّر.
أما النصر السياسي فيُقاس بما تغيّر.
وفي هذه الحرب، ما لم يتغير سلوك النظام أو تتغير قدرته على إدارة الإقليم، فسيبقى إعلان النصر الأمريكي – مهما بدا قويًا إعلاميًا – أقرب إلى إعلان مرحلة ناجحة، لا إعلان حرب منتهية. (Reuters)
الخاتمة الاستراتيجية
تكشف قراءة الحرب بهذه الطريقة أن النقاش الدائر حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد انتصرت أو لم تنتصر ما يزال مبكرًا. فالحروب الحديثة لا تُحسم في الضربة الأولى، بل في المراحل التي تليها.
فالنصر العسكري يمكن أن يتحقق سريعًا عبر التفوق التكنولوجي والسيطرة الجوية والقدرة على ضرب البنية العسكرية للخصم. لكن النصر السياسي لا يُقاس بعدد الأهداف التي دُمّرت، بل بمدى قدرة الحرب على تغيير ميزان القوة في الإقليم وإعادة تشكيل سلوك الخصم الاستراتيجي.
ومن هنا يظهر الفرق الجوهري الذي لم يلتفت إليه كثير من النقاش الإعلامي:
فالولايات المتحدة لا تحتاج بالضرورة إلى إسقاط النظام الإيراني كي تعتبر أنها حققت هدفها، بل قد يكفي أن تُقلّص قدرته على إدارة شبكة النفوذ الإقليمية التي شكلت أساس قوته خلال العقود الماضية.
وعند هذه النقطة تحديدًا يتضح أن السؤال الحقيقي لم يعد فقط:
هل تستطيع أمريكا إعلان النصر؟
بل أصبح سؤالًا أعمق بكثير:
هل تغيّر ميزان القوة في الشرق الأوسط بعد هذه الحرب؟
فإذا أدت الحرب إلى إضعاف قدرة إيران على إدارة نفوذها الإقليمي، وإلى إعادة ترتيب التوازنات الأمنية في المنطقة، فقد تعتبر واشنطن أنها حققت الهدف الاستراتيجي حتى دون إسقاط النظام في طهران.
أما إذا بقيت شبكة النفوذ الإقليمية تعمل كما كانت قبل الحرب، فإن التفوق العسكري قد يتحول مع الوقت إلى مجرد جولة أخرى في صراع طويل.
ولهذا فإن نتيجة هذه الحرب لن تُحسم فقط في سماء إيران أو مياه الخليج، بل في شكل التوازن الجديد الذي سيولد في الإقليم بعد انتهاء القتال.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر