*الدولار في العراق: أزمة نقد أم أزمة ثقة وهوية اقتصادية؟* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :….كاتب سياسي واقتصادي….
لا يمكن اختزال أزمة ارتفاع سعر الدولار في العراق بقرارات البنك المركزي أو تقلبات السياسة النقدية فقط، لأن ما يعيشه السوق العراقي اليوم يتجاوز كونه أزمة مالية تقليدية، ليتحول إلى حالة “دولرة اجتماعية” تضرب بنية الاقتصاد والثقة بالعملة الوطنية في آنٍ واحد.
فالعراق، رغم أن رواتب موظفيه، وموازنته العامة، وإنفاقه الحكومي تُدار جميعها بالدينار العراقي، يعيش تناقضاً اقتصادياً صارخاً، إذ باتت غالبية التعاملات الكبرى داخل السوق تُقاس بالدولار، لا سيما في قطاع العقارات والتجارة والادخار. وهنا تظهر المفارقة الأكثر خطورة، المواطن يستلم دخله بالدينار، لكنه يفكر بالدولار حين يريد شراء منزل، أو استئجار عقار، أو حتى حماية مدخراته من المستقبل المجهول.
هذه الظاهرة لم تنشأ من فراغ، بل تشكلت عبر سنوات طويلة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، ما دفع المجتمع تدريجياً إلى البحث عن “عملة ثقة” بديلة عن العملة الوطنية. وفي هذا السياق، لعبت سوق العقارات دوراً محورياً في تكريس ثقافة الدولرة الداخلية، بعدما تحولت أسعار المنازل والأراضي والإيجارات في كثير من المناطق إلى الدولار بشكل شبه كامل، حتى داخل الأحياء الشعبية.
العقار في العراق لم يعد مجرد أصل استثماري، بل أصبح وسيلة للتحوط ضد القلق السياسي والتضخم وتقلبات السوق. ولهذا يفضّل الكثير من المستثمرين وأصحاب المكاتب العقارية التعامل بالدولار، ليس فقط لتحقيق الأرباح، بل أيضاً بدافع الخوف من أي انخفاض محتمل في قيمة الدينار مستقبلاً. ومع مرور الوقت، تحوّل الدولار من عملة أجنبية إلى “معيار نفسي للقيمة”، وأصبح امتلاكه يُنظر إليه كرمز للاستقرار والقدرة المالية.
لكن المشكلة الأعمق لا تكمن في الدولار نفسه، بل في تآكل الثقة المجتمعية بالدينار العراقي. فعندما يبدأ المواطن بالنظر إلى عملته الوطنية باعتبارها أقل قيمة أو أقل أماناً، فإنه يساهم بشكل مباشر أو غير مباشر، في خلق طلب إضافي على الدولار، حتى دون وجود حاجة تجارية أو استيرادية حقيقية. وهنا تدخل السوق في دائرة مفرغة، ارتفاع الطلب يولّد ارتفاعاً في السعر، وارتفاع السعر يعزز الخوف، والخوف يدفع الناس إلى مزيد من الاكتناز والتحويل نحو الدولار.
الأخطر من ذلك أن هذه الثقافة بدأت تمسّ “هيبة العملة الوطنية” نفسها.
ففي معظم دول العالم، تُفرض العملة المحلية على التعاملات الداخلية مهما كانت الأزمات الاقتصادية، لأن الدولة تدرك أن قوة العملة ليست مجرد احتياطي نقدي أو سعر صرف، بل هي جزء من السيادة الاقتصادية والثقة الوطنية. أما في العراق، فقد أصبح التسعير بالدولار في بعض القطاعات أمراً اعتيادياً، وكأن الدينار مجرد عملة ثانوية داخل بلده.
ومن الخطأ تحميل الدولة ومؤسساتها المالية وحدها مسؤولية ارتفاع الدولار في السوق الموازي، لأن الأزمة تحولت إلى منظومة معقدة تشترك فيها أطراف عديدة. فهناك المضاربة، وتهريب العملة، والاستيراد العشوائي، وغسيل الأموال، فضلاً عن بعض التجار الذين يسعّرون بضائعهم وفق “دولار الخوف” لا وفق الكلفة الحقيقية، حتى عندما يحصلون على الدولار بالسعر الرسمي. كما أن التوترات السياسية والأمنية الإقليمية تدفع الناس تلقائياً إلى اعتبار الدولار ملاذاً آمناً، ما يفاقم الضغوط على السوق.
إلى جانب ذلك، ساهمت بعض مكاتب العقارات في تعزيز هذا السلوك عبر فرض الدولار كأداة تسعير يومية في دفع الإيجارات والشراء، ما خلق طلباً نفسياً دائماً عليه. فالمواطن الذي يتقاضى راتبه بالدينار يجد نفسه مضطراً لتحويله إلى الدولار فور استلامه، خوفاً من ارتفاع الأسعار أو تراجع قيمة العملة، وهو ما يعزز قوة السوق الموازي بصورة مستمرة.
لهذا فإن معالجة أزمة الدولار في العراق لا يمكن أن تنجح عبر ضخ العملة الأجنبية أو ملاحقة الصرافين فقط، لأن جوهر الأزمة أعمق من ذلك بكثير. إنها أزمة ثقة بالاقتصاد المحلي، وأزمة بنية سوق، وأزمة ثقافة مالية ترسخت عبر سنوات طويلة. الحل الحقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار للدينار العراقي بوصفه أداة سيادة اقتصادية، وليس مجرد ورقة للتداول. ويتطلب ذلك:
• منع التسعير الداخلي بالدولار في العقود والمعاملات المحلية.
• تنظيم سوق العقارات والإيجارات بشكل صارم.
• تعزيز الاستقرار الاقتصادي والسياسي لإعادة الثقة بالعملة الوطنية.
• تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني والمعاملات المصرفية بالدينار.
• فرض رقابة قانونية على الإعلانات والتعاملات التجارية التي تعتمد الدولار داخل السوق المحلي.
فالعملات لا تحيا فقط بقرارات البنوك المركزية، بل بثقة الشعوب بها. وعندما يتحول المجتمع نفسه إلى عامل ضغط ضد عملته الوطنية، فإن أي سياسة نقدية ستبقى محدودة التأثير مهما بلغت قوة الاحتياطات المالية للدولة.

اترك رد