منبر العراق الحر :
فكرة الحرية ترتبط بالقانون، أو القوانين التي تعطي الحرية للفرد، وتقابلها قوانين صارمة في الحفاظ على الأمن والسلام الاجتماعي وحفظ النظام.
مرة قرأت مقابلة مع “مارغريت تاتشر” وكانت وقتها رئيسة وزراء بريطانيا، وجه لها الصحفي سؤالاً يتعلق بكيفية الحفاظ على تقاليد المجتمع البريطاني إزاء موجات النزوح واللجوء الإنساني الذي سمح بتوافد مئات آلاف الأفارقة والآسيويين وغيرهم؟ فأجابت “نحن دولة فيها حرية، وفيها قوانين صارمة للحفاظ على القانون”!
القوانين عندما تنتجها سلطة مترشحة عن المجتمع، وتمثل حقيقة مستوياته، فإنها سوف تكون قوانين مدركة لمفهوم ومعاني وثقافة الحرية وتجليات سلوكها وحدود ذلك، لكن عندما تصدر عن سلطات مأزومة أو فاشية، أو ثيوقراطية، أو لصوصية، فإنها ستقوم على نسف فكرة الحرية من جذورها، وتحت مبررات تزيد على مبررات وجود الحرية نفسها!
ما هي علاقة المجتمع العراقي بمشروع الحرية بكونها أحد شروط الوجود الإنساني، وذلك في ضوء الفلسفات الاجتماعية الحديثة؟
تاريخيا، فإن العراقيين محكومون. إما بسلطة الدين وشروطها وأحكامها، وما يجتهد به فقه المشرع للقانون في ضوء مغذياته الدينية ونوازعه الشخصية التي لا تخضع لرقابة اجتماعية وبشرية، أو يخضع لقوانين سلطة الحاكم بأمره، ورؤيته للقوانين التي تصلح أم لا تصلح للشعب والمجتمع، وفق مزاج السلطة إذا كانت عسكرية أو سياسية أو مدنية، وقدرة المناورة لدى عقل المشرع للقوانين، بمعنى آخر لم يتعرف المجتمع العراقي على مفهوم وفكر ومعنى خالص للحرية، ما جعله يشكو نقصا فادحاً في ثقافة هذا الميدان الحيوي في الوجود.
وعندما حدث التحول في عام 2003 تحت شعارات “الديمقراطية”، وجدنا مجلس النواب العراقي أسير أفكار ونزعات أحزاب إسلامية- طائفية، لا تعترف بمشروع مدنية المجتمع، أو تنمية آفاق الحرية كمشروع حياة جديدة لها ضوابط صارمة، بل عملت على تهشيم بعض القوانين السابقة التي تحفظ بقدر ما من حقوق وحريات الإنسان-المرأة، والمفارقة أنها شرعت في ظل أنظمة عسكرية واستبدادية، ومنها قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959!
السؤال عن الحرية، ترتبط الإجابة عنه، بتعريف معنى هذا المشروع الوجودي للإنسان الحضاري أو الفاعل في المجتمع، وللأسف ما زلنا نفتقد لهذا التعريف بحكم التخلف في الوعي السياسي لدى الأحزاب المتسلطة، وتراجع مستويات الوعي والإدراك الثقافي لمعاني الحرية لدى المجتمع عامة، بل اندفاع المجتمع بغالبيته نحو ثقافة استهلاكية وسطحية، وفوضى في التعبير والانفعالات القاتلة، والاعتداء على الحقوق العامة والخاصة بكونها حرية!
هكذا أفكار وتعريفات تنتجها سلطات غير معنية بمشروع الحرية، لأنها متخلية عن هدف بناء دولة وإنسان، بل سلطات عابرة تغتنم ما تسطيع من قوة نفوذها وسلاحها، وتتعثر ببعض الاحتجاجات المنبعثة من سؤال الحرية لدى بعض الفئات التي تشكل أقلية مضيئة في المجتمع.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر