منبر العراق الحر :
تتخذنا القصيدة في رحلة عميقة إلى عالم العمل الإنساني، لا العمل بمعناه المادي أو الروتيني، بل العمل كفضاء للقاء الإنساني الخالص والتبادل العاطفي والمعنوي.
الشاعرة لا تتحدث عن وظيفة تقليدية بل عن مهمة حياتية تتمثل في العمل مع “أولئك الذين يسكنون عوالمهم الخاصة”، مما يشير بقوة إلى أنها معلمة أو معنية بتربية أو رعاية أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة (ربما الأطفال المتوحدين)،
أو على الأقل، مع فئة تحتاج إلى رعاية نفسية وقلبية خاصة.
١ – العنوان والمفتاح الدلالي:
°· “في العمل يذهب الملل”: يضع العنوان تناقضًا واضحًا بين مفهومين: “العمل” الذي يرتبط في الأذهان بالروتين والتكرار، و”الملل” الذي هو نتاج ذلك الروتين. لكن الفعل “يذهب” يحوّل المسار ويعلن أن هذا العمل مختلف
فهو ليس مصدرًا للملل، بل هو مكانٌ يُطرد منه الملل بسبب طبيعته الإنسانية العميقة.
٢ – اللغة والشعرية:
°· تستخدم الشاعرة لغة بسيطة لكنها موحية جدًا، مليئة بالاستعارات والكنايات التي تحوّل التجربة اليومية إلى طقس مقدس.
°· الاستعارة: “أمدُّ يدي الصغيرة لتصافح قلوبًا أكبر من الكون” – هنا تحويل المصافحة العادية إلى فعل عطاء واستقبال عاطفي، حيث “القلوب الأكبر من الكون” ترمز إلى نقاء وسعة أحاسيس من تعمل معهم.
°· التصوير: “الوقت يتفتّح كالورد” – صورة جميلة تحوّل مفهوم الوقت من شيء خطي ثقيل إلى شيء عضوي جميل يتفتح ببطء، مما يعكس متعة اللحظات التي تعيشها في هذا العمل.
°· التكرار: تكرر عبارة “في العمل…” في بداية كل مقطع، مما يعطي إيقاعًا هادئًا ومتأملاً، ويؤكد على أن كل اكتشاف وكل لحظة من المعنى مرتبطة بهذا المكان.
٣ – الثيمات الرئيسية (الموضوعات):
•· العمل كفعل حب وتبادل: العمل هنا ليس وظيفة، بل هو “جسر من الحنان”. الشاعرة لا تقدم فقط، بل تتلقى. العلاقة تبادلية: “أجد أنني لا أُعلّم فقط، بل أتعلّم…”.
•· اكتشاف اللغة غير المنطوقة: التركيز على “الصمت” و”النظرات البريئة” كأدوات اتصال أعمق من الكلمات. هذا يتوافق بشكل جميل مع عالم الأطفال غير الناطقين أو الذين يواجهون صعوبة في التواصل، حيث تصبح لغة الجسد والروح هي الأساس.
•· الاختلاف كجمال: تؤكد القصيدة على فكرة أن “الاختلاف جمال” و”أن كل روح مرآة للرحمة”. هذا موقف وجودي إنساني رفيع، يحوّل النقص الظاهري أو الإعاقة إلى مصدر للجمال والقوة والتعلم.
•· التحول من الملل إلى الدهشة: العمل هو مكان “لا مكان للملل” لأن “الدهشة ترافقني”. الدهشة هنا هي فضيلة الطفل الأولى، والشاعرة تعيد اكتشافها من خلال عيون من تعمل معهم.
•· التقديس والرسالة: ترفع القصيدة العمل إلى مستوى المهمة المقدسة أو “الرسالة”. فهو “صلاة قلب مفتوح”. هذا يحوّل المهمة اليومية إلى شأن روحي يتعلق بالوجود كله: “على كل اختلافٍ يشبهنا، وعلى كل نورٍ يسكننا”.
٤ – البناء العاطفي:
تسير القصيدة في تدرج عاطفي هادئ ولكن قوي
تبدأ بلطف المصافحة والتلمس، ثم تمر ببناء جسر التواصل، لتصل إلى ذروتها في لحظات الانكسار الجميلة مثل “حين ينطق كلمةً كأنها نبعٌ يتفجّر بعد عطش طويل”. هذه الذروة ليست صاخبة، بل هي لحظة انفراجة صافية تثير في القارئ شعورًا بالبهجة والامتنان.
وتنتهي القصيدة بإحساس باليقين والسلام الداخلي، بأن هذه هي الرسالة والمعنى الذي يضيء الحياة.
٥ – الرسالة الإنسانية:
القصيدة هي احتفاء بالإنسانية في أبسط صورها وأنقاها.
هي تذكير بأن أعظم الأعمال هي تلك التي تبنى على الحب والصبر والقدرة على رؤية الجمال في الاختلاف. وهي دعوة لإعادة تعريف مفهوم “العمل” ليكون أي فعل ينبع من القلب ويسعى إلى التواصل والرعاية، بدلاً من كونه مجرد وسيلة للكسب المادي.
// خاتمة :
”في العمل يذهب الملل” ليست مجرد قصيدة، بل هي شهادة إنسانية نادرة.
تعيد رانية مرجية تعريف العمل من خلال تجربة شخصية عميقة، محولة إياه من واجب روتيني إلى مصدر للدهشة والتعلم والحب.
القصيدة نجحت في التعبير عن اللغة الصامتة للقلب، وقدمت صورة ناصعة عن كيف يمكن للصبر والحنو أن يبنيا جسورًا إلى عوالم يعتقد الكثيرون أنها منعزلة، ليكتشفوا أنها تحتفظ بأنقى أشكال النور والإنسانية.
_____
القصيدة
[في العمل يذهب الملل]
بقلم: رانية مرجية
في العمل…
حيث أمدُّ يدي الصغيرة لتصافح قلوبًا أكبر من الكون،
أتعلم كل يوم أن الصمت ليس فراغًا،
بل لغةٌ أخرى…
وأن النظراتِ البريئة أعمقُ من كل كلام.
في العمل…
مع أولئك الذين يسكنون عوالمهم الخاصة،
أجد نفسي أعبر إليهم بجسرٍ من الحنان،
جسرٍ من ابتسامةٍ صافية،
ومن صبرٍ لا يتعب،
ومن حبٍّ يعرف أن الاختلاف جمالٌ،
وأن كل روحٍ مرآةٌ للرحمة.
في العمل…
أرى الوقت يتفتّح كالورد،
لا يمرّ ثقيلاً ولا يذوب في الملل،
بل يصبح أغنيةً خفيّة،
يعزفها طفلٌ متوحّد
حين يرفع رأسه لأول مرة ليبتسم لي،
أو حين ينطق كلمةً
كأنها نبعٌ يتفجّر بعد عطش طويل.
في العمل…
أجد أنني لا أُعلّم فقط،
بل أتعلّم…
أتعلم كيف يكون الحب أبسط،
وكيف تكون الروح أصدق،
وكيف تكون الحياة أعمق
حين نراها من عيونٍ نقية
لم تلوّثها أقنعة العالم.
في العمل…
لا مكان للملل…
فالدهشة ترافقني،
والأمل يكبر في قلبي كل يوم،
والمعنى يضيء مثل قنديلٍ
يذكّرني أن رسالتي هنا
أكبر من مجرد عمل،
إنها صلاةُ قلبٍ مفتوحٍ
على كل اختلافٍ يشبهنا،
وعلى كل نورٍ يسكننا.
.بقلم الناقد العراقي د عادل جودة
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر