منبر العراق الحر :
“كلُّ فكرةٍ تخرج من الإنسان هي شهادةٌ على توازن معمله الداخلي. فحين يصفو الضمير، يخرج الجمال من النفس نقيًّا كالضوء من مصدره”
_ النفس كيانٌ معقّد يشبه المعمل الكبير الذي تتوزّع فيه الأقسام والوظائف، ولكلّ جزءٍ منه دوره في إنتاج ما نسمّيه «الفكرة». ليست النفس فراغًا يتجوّل فيه المعنى، بل منظومة دقيقة من القوى، تعمل بتسلسل وتفاعل، كما تعمل آلات المصنع على تحويل المادة الخام إلى منتجٍ متقن.
في هذا المعمل الداخلي، الحسّ هو العامل الأوّل الذي يستخرج المادة الخام من مناجم العالم، يلتقط الأشكال والأصوات والألوان والروائح والمشاعر، ثم يسلّمها إلى الذاكرة، وهي المستودع الذي تحفظ فيه تلك المواد وتعيد ترتيبها. هناك، في عمق الذاكرة، تبقى الصور الخام في انتظار لحظة التشغيل، إلى أن يأتي دور الخيال، تلك الماكينة العجيبة التي تمزج الصور وتعيد صهرها في بوتقةٍ واحدة، لتصنع منها صورة مركّبة تحمل طابعًا خاصًا لا يشبه أصلها.
بعد ذلك يدخل المنتج الأولي إلى قسم العقل، حيث تُجرى عليه التجارب والتحليلات، ويُقاس بميزان المنطق والاحتمال. فإن صمد أمام الفحص خرج من مرحلة الخيال إلى مرحلة الفكرة الواضحة، وإن لم يصمد أعيد إلى الخيال ليُعاد تشكيله. أمّا الإرادة فهي اليد التي تُخرج الفكرة من حدود النفس إلى فضاء العالم، فتتحوّل من صورةٍ ذهنية إلى كلمةٍ أو فعلٍ أو اكتشافٍ أو قصيدة.
النفس بهذا التصوّر ليست ساحة صراع بين القوى، بل مصنع تآلفٍ بين الحسّ والعقل والذاكرة والخيال والإرادة. وكلّ خللٍ في إحدى هذه الأدوات يؤثّر في جودة «المنتَج الفكري» الصادر عن الإنسان. فالحسّ من دون خيالٍ ينتج جمودًا، والخيال من دون عقلٍ يولّد وهمًا، والعقل من دون إرادةٍ يبقى نظرًا عقيماً. الفكرة إذن هي البضاعة التي تصدرها النفس بعد سلسلة من العمليات الدقيقة، فهي ليست هبةً طارئة، بل ثمرة عملٍ داخليٍّ متواصل، يختبر فيه الإنسان نفسه كما يختبر الصانع مادته قبل أن يوقّع اسمه على التحفة.
وقد يتساءل البعض: وهل الأفكار الشريرة أيضًا من صناعة النفس؟
الجواب: نعم، النفس تصنعها كما تصنع الخير، غير أنّ الجودة من اختصاص الضمير.
فالضمير هو قسم الرقابة في معمل النفس، وظيفته فحص المنتَج قبل خروجه إلى الوجود.
إنه يختبر نوايا الفكرة، يزنها بميزان الخير والشرّ، ويقرّر إن كانت صالحة للوجود أم لا.
فكما يُختبر المعدن قبل أن يُعرض في السوق، تُختبر الفكرة في ضمير صاحبها قبل أن تُعلن للعالم.
الضمير ليس قوة مفروضة من الخارج، بل جزء أصيل من النفس نفسها.
إنه مهندس الجودة الروحية، العين الباطنة التي تراقب ما يجري داخل المعمل،
تزن النية، وتكشف الخلل قبل أن يتحوّل إلى فسادٍ في الفعل.
فالنفس قد تُنتج الفكرة الشريرة، لكن الضمير هو من يمنعها من المرور إلى العالم،
وكلّ سقوطٍ أخلاقي هو في جوهره عطلٌ في جهاز الضمير داخل معمل النفس.
الأخلاق إذن ليست قانونًا مفروضًا، بل مبدأ منتزع من الضمير نفسه،
والضمير هو الصدى الأخلاقي الذي يُعيد للنفس توازنها كلما انحرفت.
وحين يعمل المعمل الإنساني في انسجامٍ تامّ — الحسّ في التقاطه، الذاكرة في حفظها، الخيال في توليفه،
العقل في فحصه، الإرادة في تنفيذه، والضمير في مراقبته —
تكون الفكرة نقية، حقيقية، ومضيئة كنتاج روحٍ بلغت كمالها.
الهوامش والمراجع
1. ابن سينا، الشفاء: النفس، تحقيق عبد الرحمن بدوي، دار القلم، بيروت، 1952.
— يعرض ابن سينا في هذا الكتاب نظريته عن قوى النفس الخمس: الحسّ، المتخيّلة، الواهمة، الحافظة، والمفكرة، ويؤكد أنّ الخيال وسيط بين الحسّ والعقل، وأن النفس تشتغل في تآلف هذه القوى لإنتاج الفكر والمعرفة.
2. أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 3، دار المعرفة، بيروت، 2000.
— يتناول الغزالي في باب “رياضة النفس ومحاسبتها” العلاقة بين العقل والضمير والنية، ويرى أن الضمير قوة داخلية رقيبها الله، ومصدرها من صفاء النفس.
3. رينيه ديكارت، تأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة كمال الحاج، دار عويدات، بيروت، 1983.
— في هذا العمل يشرح ديكارت تفاعل النفس والعقل والوعي في إدراك الحقيقة، ويضع الأساس للفكر الحديث القائل بوحدة الفكر والوجود في الذات المفكرة.
4. Immanuel Kant, Critique of Practical Reason, Cambridge University Press, 1997.
الترجمة العربية: إيمانويل كانط، نقد العقل العملي، ترجمة موسى وهبة، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2008.
— يبحث كانط في هذا الكتاب العلاقة بين الإرادة والضمير، ويرى أن الأخلاق لا تُستمد من التجربة بل من العقل العملي، وأن الضمير هو المبدأ الداخلي للواجب الأخلاقي.
5. Jean-Paul Sartre, Existentialism and Humanism, Methuen, London, 1948.
الترجمة العربية: جان بول سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ترجمة عبد المنعم الحفني، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1992.
— يؤكد سارتر أن الإنسان مسؤول عن أفعاله وأن الضمير هو تجلّي الحرية، فالإنسان يخلق قيمه بقراراته، والنفس هي المعمل الذي يصنع فيه ذاته الأخلاقية
منبر العراق الحر منبر العراق الحر