منبر العراق الحر :
ليس غريبا أن يحتفل العراقيون كل عام بـ”ثورة العشرين” على البريطانيين التي يصفها العلامة علي الوردي بالانتفاضة وليس الثورة، بينما يمتد جسر (مود) من الكرخ الى الرصافة وبالعكس، الذي شيده أولئك البريطانيون، ويعبره العراقيون تحت عجلات سياراتهم دون أن يخطر ببالهم أنه ما زال يسقطهم من ارتفاع أربعة أمتار إلى الحضيض، كلما ساءت صيانته. هذا التناقض ليس مجرد نسيان تاريخي، بل دليل على خلل بنيوي أعمق في طريقة تفكيرنا الجماعي. فنحن نبني على أنقاض البناء، ونحتفل بالهدم كأنه تحرر.
قبل 1917، لم يكن العراق شعبا ولا دولة. كانت ثلاث ولايات منفصلة، تتفشى فيها الكوليرا والجدري، ويجهل الناس أسماء الأمراض، فيسمونها “أبو زوعة” و”أبو صفار”. لم تكن هناك طرق توصل المدن، ولا مدارس تعلم الأطفال القراءة، ولا جيش يحمي الحدود. ثم جاء البريطانيون، لا لنحبهم او نرحب باحتلالهم ، ولكن لنتعلم من زمنهم، فوحدوا البلاد القبلية المتشظية ، وبنوا الجسور، وسكك الحديد، والمستشفيات، والمدارس، واحترموا عقيدة السكان حين سموا أول فوج عسكري “موسى الكاظم”. خلال خمسة عشر عاما فقط، تحول العراق من بقعة موبوءة وجغرافية مريضة ومدن بدائية مظلمة إلى دولة منتجة، تصدر التمور، وتصنع الملابس، وتذيع الإذاعة، وترسل بعثات طلابية. لم يكن هذا فضلا من أحد بل كان إحياء لإمكانات كامنة، لكنها بحاجة إلى نظام.
وما إن حصل العراق على استقلاله عام 1932، حتى بدأت عقارب الزمن تدور عكسا. لم نكمل المسيرة، بل شرعنا في تفكيك كل ما بُني. فجسر “مود” صار “جسر الأحرار”، والمحطة العالمية للقطار صارت أطلالا، والمتحف الوطني نهبت محتوياته، ونوري السعيد، مهندس الدولة الحديثة، علق جثته وقصبت. لم نعد نرى في البريطانيين من بنوا، بل “أبو ناجي”، ذلك الاسم المهين الذي روج له جهلة مثل ضبع العوجة صدام حسين، كأن الشتيمة تمحو التاريخ.
هنا تكمن المأساة، فنحن لا نبني هويتنا على ما ننجز، بل على من نعادي. اعتقد الهوية الوطنية العراقية الحديثة لم تشكل حول لغة، أو اقتصاد، أو نظام تعليمي ناجح، بل حول عداء دائم للآخر، بريطانيا التي كانت لا تغيب عنها الشمس أولا، ثم أمريكا لاحقا (مع عدم نكران الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها في العراق). نحتفل بالثورة والعنف والانقلابات العسكرية، لا بالاستقلال. نمجد العنف الانقلابي وقادته، حتى لو كانوا جاهلين، ونشتم المنظم، حتى لو كان وطنيا. هذا ليس وطنية، هذا هروب من المسؤولية .
والأدهى أننا نعيد إنتاج نفس السلوك مع كل غريب يقدم يد المساعدة أو حتى يتدخل لمصالحه. اليوم نسارع إلى تصوير الولايات المتحدة كعدو استراتيجي، رغم أن العراقيين أنفسهم دعوا إليها في لحظة يأس . لكننا نسأل: صرخنا بها : اخرجوا لتخرج من الباب وفق اتفاقية وصفت بالاستراتيجية ثم تدخل من الشباك وتبني لها أكثر من قاعدة عسكرية.
السبب ليس سياسة، بل سايكولوجيا جماعية معطوبة . نحن نعاني من إدراك مشوش للتاريخ، فنخلط بين الاستغلال والتنظيم، ونرفض كل ما يحمل طابع الآخر ، حتى لو كان في مصلحتنا. لدينا عقدة ضد الحداثة، فنعتبر من يبني خائنا، ونعاقب المنجز، لا الفاسد. وربما الأعمق: نحن لا نشعر أننا مستحقون للحضارة، فنهدمها لنشعر أننا عدنا إلى نقاء لم يكن سوى فقر مقدس.
المفارقة الموجعة؟ أن الدولة العثمانية، التي يتغنى بها طرف عراقي أحيانا، كانت تضطهد نفس رجال الدين الذين قادوا الثورة المباركة ضد البريطانيين. لكننا لا نسأل، لا نحلل، لا نوازن. نحن نعيد إنتاج الغضب من دون أن نعرف مصدره.
العراق لم يهزم من الخارج. العراق يهدم نفسه ليس بقنابل وصواريخ ، بل بخطاب. ليس بحرب، بل بثقافة. وإذا استمرت هذه العقلية، فلن يعود جسر الأحرار جسرا للعبور، بل نصبا تذكاريا على قدرتنا الفذة في تحويل كل فرصة إلى كارثة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر