منبر العراق الحر :
الغربة ليست أن تسافري بعيدا…
بل أن تعرفي أسماء الشوارع كلها،
ولا تعود الشوارع تنطق باسمك.
أن تمشي في الحيّ الذي كبرتِ فيه،
كأنكِ سائحة تحمل خريطة ذكرياتها،
وتسأل المارّة عن بيتك.
تدخلين المقهى نفسه،
الطاولة نفسها،
ربما الكرسي نفسه…
لكن الوجوه تغيرت،
كما يبدّل النادل فنجانا مكسورا بآخر.
يسألك أحدهم:
“كيفك؟”
فتجيبين:
“تمام.”
وتتركين خلف الكلمة
مدينة كاملة من التعب.
في الوطن،
الفقر أكثر تهذيبا مما نظن.
لا يقتحم الباب،
ولا يكسر النوافذ،
بل يجلس إلى المائدة كفرد من العائلة،
يأكل حصته من العمر أولا.
ثم يترك لكِ
فتات الحديث عن المستقبل.
نتحدث عن الأحلام كثيرا،
كأنها مشاريع قيد التنفيذ،
بينما هي معلقة منذ سنوات
على حبل الغسيل.
بانتظار شمس لا تأتي.
كنت أظن الوطن أما كبيرة،
تخبئ أبناءها في جيب قلبها.
ثم اكتشفت
أنه أحيانا موظف استقبال متعب،
يطلب منك الانتظار قليلا،
ثم ينسى أنك ما زلت في الصالة.
وفي الليل
أراجع الحسابات:
إيجار الروح… متأخر.
فاتورة الأمل… غير مدفوعة.
ومشروع السعادة… مؤجل.
أضحك…
لا لأن الأمر مضحك،
بل لأن البكاء صار يحتاج ميزانية أيضا.
الحنين حالة غريبة.
أحن إلى المدينة وأنا فيها،
وإلى الناس وهم أمامي،
وإلى الأمان وهو يمر بجانبي
من دون أن يسلّم.
أفتقد أشياء لم تمت،
لكنها لم تعد تشبه نفسها.
ضحكات مجانية،
جلسات بلا حساب،
أحلام أكبر من الأسعار،
وأوسع من جيوبنا جميعا.
في الوطن
نتعلم أن نكون اقتصاديين حتى في مشاعرنا.
نختصر الوجع بكلمة،
والخوف بنكتة،
والأحلام بقائمة مؤجلة.
ومع ذلك…
في كل مساء
أصنع من فنجان القهوة وطنا صغيرا.
أرفع فوقه علم الصبر،
وأمنحه دستور الانتظار،
ونشيدا من السخرية.
أجلس فيه
شاعرة…
مواطنة…
ولاجئة في الوقت نفسه.
ثم أضحك مرة أخرى.
فالنجاة هنا
ليست أن أكون سعيدة.
بل أن أبقى قادرة
على السخرية من الحفرة
وأنا أمشي في قاعها.
أن أحرس آخر شمعة في قلبي،
بينما الريح تشرح لي كل يوم
أن الظلام أرخص.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر