منبر العراق الحر :
منذ أن فتح الإنسان عينيه على هذا الكون الواسع، لم تكن حياته مجرد عبور خامد فوق خط الزمن؛ بل كانت مواجهة مستمرة مع الأسئلة الكبرى التي تُقلق الروح وتوقظ العقل وتُشعل نار البحث في أعماقه. فالإنسان بخلاف سائر الكائنات، لا يكتفي بأن يعيش، بل يبحث عن لماذا يعيش وكيف يعيش، ويتساءل عن المصير والمبدأ، وعن العدل والحرية وعن الخير والجمال، وعن ذاته قبل كل شيء ولعل هذا القلق الوجودي هو الشرارة الأولى لولادة الفلسفة واللحظة التي صعد فيها العقل البشري من مستوى البقاء إلى مستوى الوعي.
أولاً : الوجود… ذلك الفراغ المملوء بالأسئلة.
يقف الإنسان أمام الوجود كما يقف الغريب عند بوابة مدينة مجهولة ويحدّق في السماء، في الوقت، في الفناء، في الألم، في اللذة في الموت، فلا يجد إلا الغموض. هذا الغموض هو الذي منح الفلسفة أول مهامها : محاولة فهم ما لا يُفهم.
فالفيلسوف لا يدّعي امتلاك الحقيقة، لكنه يمتلك الجرأة على مطاردة الحقيقة وكل سؤال فلسفي هو في جوهره رغبة في إضاءة هذا الظلام الكوني، أو على الأقل ترتيب الفوضى التي يشعر بها الإنسان في داخله.
والوجود، كما يصفه الوجوديون، ليس شيئاً معطى، بل هو سؤال متجدد. فكلما امتلك الإنسان جواباً تولدت عنه أسئلة أخرى، وكأن العقل البشري يدور في حلقة من البحث لأنه خُلق للبحث، لا للسكون.
ثانياً : الحرية… بين نداء الداخل وضغط الخارج.
الحرية ليست شعاراً اجتماعياً ولا مطلباً سياسياً فقط، إنها جوهر الوجود الإنساني. فالإنسان لا يكون إنساناً إلا حين يشعر أنه قادر على أن يختار. لكن الحرية ليست مطلقة، لأنها تصطدم بثلاثة جدران :
1. جدار الطبيعة : حيث تُفرض علينا قوانين الجسد والزمن والظروف.
2. جدار المجتمع : حيث تتحكم الأعراف والقوانين والسلطة والاقتصاد.
3. جدار الذات : حيث تُقيدنا مخاوفنا ورغباتنا وضعفنا الداخلي.
بين هذه الجدران الثلاثة يحاول الإنسان أن يفتح نافذة صغيرة للضوء، وأن يصوغ مساحة حرية حقيقية. الفلسفة هنا تمنحه القدرة على فهم قيوده، لأن قيوداً مفهومة يمكن تجاوزها، أما القيود التي لا تُرى فهي التي تلتهم الروح دون أن يشعر.
ثالثاً : الأخلاق… محاولة لصنع الإنسان الأفضل.
الأخلاق ليست مجموعة أوامر ونواهٍ، بل هي انعكاس لصراع داخلي بين ما نريده وما يجب أن نكونه. والفلاسفة –من سقراط إلى كانت– حاولوا أن يحددوا معياراً يجعل الإنسان أكثر إنسانية وفي عمق الأخلاق توجد الأسئلة التالية :
_هل الخير ما نختاره بدافع داخلي أم ما يُفرض علينا ؟
_هل الأخلاق نسبية أم مطلقة ؟
_وهل يمكن بناء عالم عادل دون تهذيب الفرد أولاً ؟
والجواب الفلسفي الأعمق أن الأخلاق ليست قانوناً فوقياً بل مشروعاً مستمراً، مشروعاً لترويض الذات وتحريرها في آن واحد. فلا يمكن لإنسان أن يكون حراً ما لم يكن أخلاقياً، لأن الفوضى الداخلية تقتل الحرية قبل أن يمسّها أي استبداد خارجي.
رابعاً : العقل والخيال… ثنائية بناء العالم
يتصور البعض أن العقل وحده يكفي لصنع المعرفة وأن الخيال مجرد ترف شعري؛ لكن الحقيقة أعمق بكثير. فالعقل يضع الحدود والخيال يكسرها والعقل يحلل، والخيال يخلق وفي توازن الاثنين تنشأ الحضارة.
فالفلسفة هنا تقوم بدور الجسر بينهما فهي تستخدم العقل في المنطق، والخيال في التأمل، وتجمعهما في رؤية شاملة للعالم. ولهذا كانت الفلسفة دائماً حاضنة للعلم والفن معاً، لأنها تبحث عن الحقيقة كما تبحث عن الجمال، ولأنها تدرك أن الحقيقة بلا جمال قاسية وأن الجمال بلا معنى فارغ.
خامساً : الإنسان… مشروع لا يكتمل.
ربما أعظم ما قالته الفلسفة إن الإنسان ليس كائناً منتهياً بل مشروعاً في طور التكوين. يتغير بتجاربه، بأفكاره، بأخطائه، بآلامه. وكل جرح يوسّع فهمه للعالم وكل سقوط يكشف له طبقة جديدة من ذاته، وكل سؤال يجعله يكبر خطوة أخرى.
وإن أعظم انتصار للفلسفة أنها جعلت الإنسان يرى نفسه، لا كمجرد رقم في التاريخ، بل كعقل قادر وقلب حي، وإرادة تصنع مصيرها. فالإنسان، مهما بدا ضعيفاً يحمل في داخله قوة السؤال، وهذه القوة كافية لتغيير العالم كله.
ختاما فان الفلسفة ليست نصوصاً تُحفظ ولا آراء تُجمع، إنها حركة داخل العقل والروح، حركة تؤمّن للإنسان توازنه بين ما يعرفه وما يجهله، بين ما يطمح إليه وما يخشاه وفي عالم يمتلئ بالضجيج والتسارع، تبقى الفلسفة ملاذاً آمناً لمن يريد أن يفهم، لا أن يمر مروراً باهتاً في الحياة.
د.رافد حميد فرج القاضي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر