منبر العراق الحر : يروج الإعلام الأمريكي لانتصارات “كارتونية” على الدول التي احتلتها أو دخلت في صراع معها على مدى أكثر من سبعة عقود. غير أن مراجعة سجل الحروب تكشف واقعا مغايرا؛ فبرغم دخول الولايات المتحدة عشرات البلدان، لم يسجل لهذا الجيش سوى تدمير البنى التحتية وقتل الأبرياء، دون تحقيق انتصار حاسم على إرادة الشعوب. صحيح أن أمريكا تمتلك آلة عسكرية قادرة على إلحاق الأذى بالدول، لكنها لم تمتلك يوما القدرة على كسر إرادة الشعوب الحية. فمنذ حرب كوريا مروراً بفيتنام ولبنان والصومال، وصولًا إلى أفغانستان والعراق، لم تحقق واشنطن نصراً حقيقيا ، بل خرجت من معظم حروبها مثقلة بالخسائر البشرية والمادية.
وفيما يلي استعراض موجز لأبرز هذه الحروب:
حرب كوريا
دخلت الولايات المتحدة الحرب الكورية في 25 حزيران 1950 عقب اندلاع القتال بين الكوريتين، وسارعت واشنطن إلى التدخل عسكريا، لكنها لم تتمكن من حسم المعركة لصالحها. وبعد ثلاث سنوات من القتال العنيف، توقفت الحرب في 27 تموز 1953 بتوقيع اتفاق هدنة فقط، وليس معاهدة سلام، ما يعكس فشل أمريكا في تحقيق نصر حاسم، ويكشف حدود ما يُروَّج له عن “البعبع الأمريكي”.
بلغت تكلفة الحرب آنذاك نحو 30 مليار دولار، وعند احتسابها بقيمة الدولار الحالية تصل إلى قرابة 680 مليار دولار، لتصبح الحرب الكورية واحدة من أكثر النزاعات استنزافًا للموارد دون نتائج حاسمة.
احتلال فيتنام (1955–1975)
كانت حرب فيتنام من أكثر الحروب كلفة على الولايات المتحدة بشرياً ومادياً، وانتهت بخروجها مهزومة. فقد قُتل نحو. 58000جندياً أمريكيا، وأصيب حوالي
000 372 بجروح.أما مالياً فقد أنفقت واشنطن قرابة 168 مليار دولار خلال الحرب، وهو ما يعادل اليوم تريليون دولار أمريكي، لتنتهي المغامرة الفيتنامية بخسائر فادحة دون تحقيق أهدافها.
التدخل الأمريكي في لبنان
لم يختلف التدخل الأمريكي في لبنان عن غيره من التدخلات التي انتهت بالخسائر والانسحاب. ففي تشرين الأول 1983 تعرّضت ثكنات مشاة البحرية الأمريكية في بيروت لهجوم كبير عبر شاحنة مفخخة، يقودها استشهادي أسفر عن مقتل 241 جنديا أمريكياً في يوم واحد، في أكبر خسارة تتكبدها القوات الأمريكية منذ حرب فيتنام. وقبل ذلك، في 18 نيسان 1983، استُهدفت السفارة الأمريكية في بيروت بتفجير استشهادي أدى إلى مقتل 63 أمريكيا. وخلال الفترة الممتدة بين 1982 و1984، تكبّدت القوات الأمريكية خسائر إضافية نتيجة هجمات متفرقة بالقذائف والقنص. وفي النهاية، انسحبت الولايات المتحدة من لبنان دون تحقيق أهداف واضحة، مثقلة بالخسائر البشرية والمعنوية. أما ماديا، فتُقدَّر كلفة التدخل وفق حسابات غير رسمية وبقيمة اليوم بما بين مئات الملايين وبضعة مليارات من الدولارات.
تدخلها في الصومال (1992–1995)
خرجت الولايات المتحدة أيضا من الصومال بعد خسائر واضحة، لا سيما خلال معركة مقديشيو عام 1993، التي شكّلت أبرز مواجهات تلك الحملة العسكرية، وانتهت بانسحاب أمريكي جديد دون تحقيق إنجاز يُذكر.
احتلال أفغانستان (2001–2021)
في أطول حروبها الحديثة، احتلت الولايات المتحدة أفغانستان منذ عام 2001 حتى انسحابها النهائي في آب 2021، لتخرج مهزومة تاركة خلفها معداتها وعملاءها. وقد تجاوز إجمالي الخسائر البشرية الأمريكية 23 ألفاً بين قتيل وجريح ومقاول.
أما الكلفة المادية، فقد أنفقت واشنطن نحو 2.3 تريليون دولار على حرب أفغانستان بين 2001 و2021 لتنتهي المغامرة الأفغانية كما بدأت: بلا نصر.
غزو العراق
في حرب العراق، تعترف الإحصاءات الأمريكية بمقتل نحو 4,484 جنديا أمريكياً وإصابة قرابة 32,200، وهي أرقام يشكك كثيرون في دقتها ويرجّحون أن تكون الخسائر الحقيقية أعلى بكثير.
أما الخسائر المادية، فقد بلغت قرابة 2.89 تريليون اي قرابة الثلاثة ترليون دولار كتكلفة إجمالية، لتخرج الولايات المتحدة مهزومة كما في حروبها السابقة.
الخلاصة
إن انتصارات أمريكا لا تتجاوز شاشات هوليوود، أما على أرض الواقع فهي سلسلة من الحروب المكلفة التي انتهت بالانسحاب والهزيمة، أخفى الإعلام كثيراً من تفاصيلها. لقد امتلكت واشنطن آلة القتل، لكنها لم تمتلك القدرة على إخضاع الشعوب أو السيطرة على العالم.
كموقف الجمهورية الإسلامية القائم على الثبات في مواجهة امريكا هذا الموقف الذي يعكس نهجاً واضحاً في رفض الهيمنة. ولو أن دول العالم توحدت في موقفها، لاضطرت امريكا إلى التراجع وإدراك حجمها الحقيقي. صحيح أن أمريكا متقدمة تكنولوجياً، إلا أنها لا تستطيع الانعزال عن المجتمع الدولي، إذ تعتمد على العالم في مجالات متعددة، من الأسواق والموارد الطبيعية وإلى التقنيات التي تمتلكها دول أخرى. غير أن نفوذها الإعلامي الواسع أسهم في ترسيخ هيمنتها، وجعل كثيرا من الدول خاضعة لتأثيرها ولو توحدت الشعوب في مواجهة هيمنتها، لانكشفت هشاشة امريكا ونقاط ضعفها.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر